
في خطوة تعكس استمرار التعاون المغربي الإسباني في مجالات التنمية والهجرة، أعلنت الوكالة الإسبانية للتعاون الإنمائي الدولي عن تخصيص منحة مالية تقارب 500 ألف يورو لفائدة الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، بهدف تنفيذ مشروع يروم تحسين ولوج المهاجرين المقيمين أو العابرين بالمغرب إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وذلك في إطار خطة التعاون الإسباني للفترة الممتدة بين 2024 و2027.
ويأتي هذا التمويل في سياق اعتبار المغرب أحد الشركاء الاستراتيجيين لإسبانيا في مجال التعاون التنموي، بالنظر إلى موقعه الجغرافي ودوره المحوري في تدبير قضايا الهجرة والتنمية بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.
وبحسب المعطيات المتوفرة، ستتولى الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة تنفيذ المشروع، وهي منظمة غير حكومية تنشط منذ سنوات في مجال الصحة الإنجابية، وتعد عضوًا في الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة.
وتتوفر الجمعية على شبكة تضم 27 مركزًا موزعة على مختلف جهات المملكة، تقدم خدمات طبية وتوعوية لفئات متعددة، من بينها المهاجرون القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، سواء المقيمون بالمغرب أو الذين يتخذون منه نقطة عبور نحو أوروبا.
ويهدف المشروع الجديد إلى توسيع نطاق استفادة هذه الفئة من خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، عبر تحسين الولوج إلى الاستشارات الطبية، وخدمات التوعية، والمتابعة الصحية، بما ينسجم مع المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والصحة.
ويحتل المغرب مكانة متقدمة ضمن الخطة الرئيسية للتعاون الإسباني من أجل التنمية المستدامة والتضامن العالمي 2024-2027، حيث تعتبره مدريد من الدول ذات الأولوية في برامجها التنموية.
وتشرف الوكالة الإسبانية للتعاون الإنمائي الدولي، من خلال مكتبها بالرباط، على تنفيذ عدد من المشاريع بشراكة مع المؤسسات المغربية ومنظمات المجتمع المدني، في مجالات تشمل الصحة، والتعليم، والحكامة، والمساواة بين الجنسين، إضافة إلى تدبير الهجرة.
ويرتبط هذا التعاون بشكل وثيق بالتحولات التي تعرفها المنطقة، إذ أصبح المغرب، إلى جانب كونه بلد عبور، وجهة لاستقرار عدد متزايد من المهاجرين، ما يستدعي تطوير الخدمات الأساسية الموجهة إليهم، خصوصًا في القطاع الصحي.
وتؤكد الوثائق المرجعية لخطة التعاون الإسباني أن الحقوق الجنسية والإنجابية تشكل أحد المحاور الأساسية للسياسة التنموية الإسبانية خلال السنوات المقبلة.
وترتكز هذه الرؤية على تعزيز المساواة بين الجنسين، وضمان استفادة النساء والفتيات والمراهقات من خدمات صحية شاملة وآمنة، مع دعم البرامج التي تساهم في الوقاية والتوعية وتحسين جودة الرعاية الصحية.
كما تشمل الأولويات الإسبانية دعم المنظمات الوطنية والمحلية التي تعمل في مجالات تمكين النساء والشباب، وتعزيز الحقوق الإنجابية، وتوسيع الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة.
ويأتي هذا المشروع في سياق التعاون المتواصل بين الرباط ومدريد في ملف الهجرة، الذي يشكل أحد أبرز محاور العلاقات الثنائية.
فمنذ استئناف العلاقات السياسية بين البلدين سنة 2022، عقب تجاوز الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2021، عزز المغرب وإسبانيا تعاونهما في مجالات متعددة، من بينها تدبير الهجرة النظامية، ومحاربة شبكات الهجرة غير النظامية، والتنمية الاقتصادية، والاستثمار.
كما شهدت السنوات الأخيرة توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين الحكومتين، تهدف إلى تطوير آليات التنسيق المشترك في مواجهة التحديات المرتبطة بحركة الهجرة عبر غرب البحر الأبيض المتوسط.
ويرى متابعون أن التمويل الإسباني الجديد يعكس توجهًا نحو توسيع مجالات التعاون مع المغرب، بحيث لم يعد يقتصر على الجانب الأمني ومراقبة الحدود، بل أصبح يشمل أيضًا دعم المشاريع الاجتماعية والصحية والتنموية لفائدة المهاجرين.
ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد الاهتمام الأوروبي بتحسين الظروف الإنسانية للمهاجرين داخل دول العبور، مع التركيز على ضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية، والتعليم، والحماية الاجتماعية.
ويُنتظر أن يساهم المشروع الجديد في تعزيز الخدمات الصحية المقدمة للمهاجرين بالمغرب، وترسيخ التعاون المغربي الإسباني في مجال التنمية، بما يواكب التحولات التي تعرفها المنطقة ويستجيب للتحديات المرتبطة بقضايا الهجرة والصحة وحقوق الإنسان.



