اعلان
اعلان
اقتصاد

“سبايس إكس” تدخل وول ستريت بأكبر اكتتاب في التاريخ.. هل يبدأ عصر الاقتصاد الفضائي؟

Heure du Journal

دخلت شركة “سبايس إكس”، المتخصصة في الصناعات الفضائية وتكنولوجيا الاتصالات، مرحلة جديدة في مسيرتها الاستثنائية بعد بدء تداول أسهمها في بورصة “ناسداك” الأميركية تحت الرمز “SPCX”، في أكبر اكتتاب عام أولي تشهده الأسواق المالية العالمية، وسط اهتمام واسع من المستثمرين الذين يعتبرون هذه الخطوة اختباراً حقيقياً لمستقبل قطاع الفضاء التجاري والذكاء الاصطناعي.

ونجحت الشركة التي أسسها رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك سنة 2002 في جمع نحو 75 مليار دولار من خلال بيع 555.6 مليون سهم بسعر 135 دولاراً للسهم الواحد، لترتفع قيمتها السوقية إلى حوالي 1.77 تريليون دولار، متجاوزة الرقم القياسي السابق الذي سجلته شركة “أرامكو السعودية” خلال طرحها العام الأولي سنة 2019.

اعلان

ويضع هذا الإدراج “سبايس إكس” مباشرة ضمن قائمة أكبر الشركات المدرجة في العالم من حيث القيمة السوقية، في مؤشر واضح على التحول العميق الذي تشهده الأسواق العالمية، حيث باتت الصناعات الفضائية تحتل موقعاً متقدماً ضمن القطاعات الأكثر جذباً لرؤوس الأموال.

إقبال قياسي على أسهم الشركة

ورغم تنظيم مراسم افتتاح التداول بمقر “ناسداك” في نيويورك، فإن التداول الفعلي على السهم لم يبدأ مباشرة مع افتتاح الجلسة، نظراً للإجراءات التقنية المرتبطة بالاكتتابات العملاقة، والتي تهدف إلى تحقيق التوازن بين أوامر البيع والشراء وتحديد سعر افتتاح عادل يقلل من حدة التقلبات.

وأظهرت المؤشرات الأولية قبل الإدراج أن سعر السهم قد يفتتح بين 170 و175 دولاراً، أي أعلى بما يتراوح بين 30 و50 في المائة مقارنة بسعر الاكتتاب، في ظل تجاوز طلبات الشراء عدة مرات حجم الأسهم المعروضة للبيع.

ويعكس هذا الإقبال ثقة المستثمرين في نموذج أعمال الشركة وآفاقها المستقبلية، خصوصاً في ظل توسعها المتواصل في مجالات الإطلاق الفضائي وخدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

من شركة صواريخ إلى إمبراطورية تكنولوجية

لم تعد “سبايس إكس” مجرد شركة متخصصة في تصنيع الصواريخ وإطلاق الأقمار الصناعية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فاعل رئيسي في الاقتصاد الرقمي العالمي.

وتدير الشركة شبكة “ستارلينك”، التي أصبحت أكبر منظومة للإنترنت الفضائي في العالم، كما تعمل على تطوير مشاريع مرتبطة بمراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية المعتمدة على الفضاء، فضلاً عن استثمارات متنامية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ومنذ تأسيسها، اعتمدت الشركة على التمويل الخاص، ما مكنها من تنفيذ مشاريع طموحة بعيداً عن ضغوط أسواق المال، غير أن حجم استثماراتها الحالية وطموحاتها المستقبلية دفعاها إلى فتح رأسمالها أمام العموم في خطوة يعتبرها خبراء بداية مرحلة جديدة في صناعة الفضاء التجارية.

رهان على المستقبل أكثر من الحاضر

ويرى محللون أن المستثمرين الذين أقبلوا على شراء أسهم “سبايس إكس” لا يراهنون فقط على نتائج الشركة الحالية، بل يستثمرون في رؤية طويلة الأمد يقودها إيلون ماسك، تقوم على تحويل الفضاء إلى جزء أساسي من الاقتصاد العالمي.

فالشركة لا تقدم نفسها باعتبارها مؤسسة متخصصة في خدمات الإطلاق الفضائي فحسب، وإنما كمشروع متكامل قد يشمل مستقبلاً الاتصالات العالمية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الفضائية، فضلاً عن مشاريع استيطان القمر والمريخ.

وفي كلمة ألقاها عبر تقنية الاتصال المرئي من مقر الشركة في “ستاربيس” بولاية تكساس، أكد ماسك أن الهدف النهائي يتمثل في “جعل البشرية متعددة الكواكب”، مشيراً إلى أن الشركة انتقلت من مشروع صغير داخل مستودع متواضع إلى مؤسسة تقود أكبر اكتتاب في تاريخ الأسواق المالية.

مخاوف من تقييم مبالغ فيه

ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإدراج، فإن بعض المحللين أبدوا تحفظات بشأن القيمة السوقية المرتفعة التي حصلت عليها الشركة.

ويعتبر منتقدون أن التقييم الحالي يتجاوز بكثير ما تبرره النتائج المالية الراهنة، خاصة أن “سبايس إكس” لا تزال تضخ مليارات الدولارات في مشاريع البحث والتطوير المرتبطة بالصواريخ المتقدمة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الفضائية.

في المقابل، يؤكد مؤيدو الشركة أن الأسواق دأبت على منح الشركات القادرة على إحداث تحولات جذرية في الاقتصاد العالمي تقييماً يستند إلى إمكاناتها المستقبلية أكثر من أرباحها الحالية، كما حدث مع عدد من عمالقة التكنولوجيا في العقود الأخيرة.

تقلبات مرتقبة في الأيام الأولى

ومن بين العناصر التي يراقبها المستثمرون عن كثب، الطريقة التي اعتمدتها الشركة في تسعير الاكتتاب، إذ اختارت تحديد سعر ثابت للسهم منذ البداية، خلافاً للنطاق السعري التقليدي المعمول به في الطروحات الكبرى.

كما خصصت “سبايس إكس” جزءاً مهماً من الأسهم المطروحة للمستثمرين الأفراد، وهي خطوة قد تزيد من تقلبات السهم خلال الأيام الأولى للتداول، نظراً لسرعة تأثر هذه الفئة من المستثمرين بالأخبار والتغيرات المفاجئة في الأسواق.

ومن المنتظر أن تعتمد بورصة “ناسداك” آلية “قواطع الدوائر” لإيقاف التداول مؤقتاً في حال تجاوزت تحركات السهم الحدود المسموح بها خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك للحد من التقلبات الحادة.

وفي السياق ذاته، يتابع المستثمرون دور بنك “مورغان ستانلي”، المكلف بعملية استقرار السهم بعد الإدراج عبر استخدام خيار “الغرين شو”، الذي يتيح شراء أسهم إضافية من السوق إذا تعرض السعر لضغوط هبوطية.

انعكاسات تتجاوز حدود “سبايس إكس”

ولا تقتصر أهمية هذا الطرح على الشركة نفسها، بل تمتد إلى سوق الاكتتابات الأميركية بأكملها، إذ قد يشجع نجاح “سبايس إكس” شركات كبرى أخرى، خاصة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، على دخول البورصة خلال الأشهر المقبلة.

ويرى خبراء أن هذا الإدراج يعكس تحولاً في طبيعة الشركات الأكثر قيمة في العالم، بعدما هيمنت شركات البرمجيات والإعلانات الرقمية والتجارة الإلكترونية على المراتب الأولى لسنوات طويلة.

وتبرز “سبايس إكس” اليوم كنموذج اقتصادي جديد يعتمد على أصول مادية ضخمة تشمل الصواريخ ومنصات الإطلاق والأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات، مع دمج متزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف أنشطتها.

ثروة ماسك تقترب من رقم غير مسبوق

أما على المستوى الشخصي، فإن الأداء القوي للسهم قد يدفع بثروة إيلون ماسك إلى الاقتراب من حاجز التريليون دولار، في سابقة غير مسبوقة في تاريخ الثروات الفردية الحديثة.

ويشبه بعض المحللين هذا الحدث بطرح مجموعة “علي بابا” سنة 2014، الذي جسد آنذاك صعود الاقتصاد الرقمي الصيني، فيما يعتبر آخرون أن إدراج “سبايس إكس” يمثل بداية عصر جديد تتداخل فيه الصناعات الفضائية مع الاقتصاد العالمي بشكل غير مسبوق.

وبغض النظر عن أداء السهم خلال أيامه الأولى، فإن هذا الاكتتاب يؤكد أن قطاع الفضاء لم يعد مجرد نشاط علمي أو مشروع حكومي محدود، بل أصبح جزءاً أساسياً من الاقتصاد العالمي الجديد، القائم على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والطموحات العابرة للغلاف الجوي.

ويبدو أن دخول “سبايس إكس” إلى وول ستريت لن يكون مجرد حدث مالي عابر، بل محطة تاريخية قد تعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي لعقود مقبلة.

اعلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى