
المغرب والإمارات يفتحان آفاقاً جديدة لتوطين صناعة محركات الطيران ونقل التكنولوجيا الدفاعية
يتجه التعاون الدفاعي والصناعي بين المغرب والإمارات العربية المتحدة نحو مرحلة جديدة، في ظل توجه البلدين إلى تعزيز الشراكات في مجال الصناعات الدفاعية وتطوير القدرات الإنتاجية المحلية، وذلك عقب توقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة «إيدج» الإماراتية وإدارة الدفاع الوطني المغربية، تروم استكشاف فرص توطين إنتاج الأسلحة الخفيفة عالية الأداء ومحركات الطيران داخل المملكة، بشراكة مع شركات مغربية.
ويأتي هذا الاتفاق في سياق الدينامية التي يشهدها قطاع الصناعات الجوية والدفاعية بالمغرب، الذي يسعى إلى الانتقال تدريجياً من استقطاب الاستثمارات الصناعية وتوفير خدمات الصيانة والتجميع إلى تطوير قدرات محلية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل أنظمة الدفع والمحركات والمعدات المرتبطة بالطيران والمنصات غير المأهولة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي أصبحت تلعبه المحركات في تطوير الصناعات الجوية الحديثة، باعتبارها من المكونات الأساسية التي تحدد أداء الطائرات والمسيرات، فضلاً عن تأثيرها في مدى الطيران والقدرة على التحمل وكفاءة استهلاك الطاقة والوقود.
وتُعد مجموعة «إيدج» من أبرز المجموعات الإماراتية العاملة في قطاع التكنولوجيا الدفاعية، إذ تنشط في تطوير وإنتاج مجموعة من الأنظمة والمعدات، تشمل المنصات الجوية غير المأهولة وحلول الدفع والتقنيات المرتبطة بالأنظمة المستقلة. ويتيح التعاون مع هذه المجموعة إمكانية بحث نقل الخبرات التقنية وتطوير شراكات صناعية مع الفاعلين المغاربة، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز التصنيع المحلي وتقليص الاعتماد على الاستيراد في بعض المجالات الاستراتيجية.
ويُنتظر أن يشكل توطين صناعة محركات الطيران، في حال ترجمة التفاهمات إلى مشاريع إنتاج فعلية، خطوة مهمة نحو بناء منظومة صناعية دفاعية أكثر تكاملاً بالمغرب، خصوصاً أن تصنيع المحركات وتطويرها يتطلبان خبرات متخصصة في الهندسة الميكانيكية والمواد المتقدمة والأنظمة الحرارية والإلكترونية، إلى جانب بنية صناعية قادرة على ضمان الجودة والاختبارات والصيانة.
ويحظى مجال المسيرات باهتمام متزايد في الصناعات الدفاعية العالمية، بالنظر إلى الاستخدامات المتعددة لهذه الأنظمة في المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ المهام الجوية المختلفة. وتؤدي المحركات دوراً محورياً في تحديد خصائص هذه المنصات، سواء تعلق الأمر بالمسيرات المزودة بمحركات مكبسية أو توربينية أو نفاثة، بحسب طبيعة المهمة والتصميم الهندسي ومتطلبات الأداء.
وفي هذا السياق، أثارت معلومات متداولة بشأن إمكانية نقل تكنولوجيا تصنيع محركات إماراتية إلى المغرب اهتماماً بقدرات المملكة المستقبلية في مجال تطوير أنظمة جوية غير مأهولة. غير أن التفاصيل التقنية المتعلقة بأنواع المحركات التي سيشملها التعاون، ومواصفاتها، وبرنامج إنتاجها داخل المغرب، لم تُحسم بصورة علنية في المعطيات المتاحة عن الاتفاق.
كما تداولت منصات ومصادر غير رسمية معطيات تربط هذه التطورات بالمحرك المغربي المعروف باسم «إيريفي» (IRIFI)، مع الإشارة إلى إمكانية استخدامه في مسيرات بعيدة المدى. إلا أن الحديث عن بلوغ مدى يصل إلى 2000 كيلومتر، أو عن دخول المحرك مرحلة الجاهزية التشغيلية، يحتاج إلى تأكيد رسمي ومعلومات تقنية موثوقة، ولا يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للاتفاق المغربي الإماراتي المعلن.
وبالمثل، فإن التكهنات بشأن احتمال توظيف محركات نفاثة في مشاريع مغربية مستقبلية، بما فيها أنظمة جوية أو صاروخية، تظل في حدود الاستنتاجات غير المؤكدة ما لم يصدر إعلان رسمي يحدد طبيعة هذه المشاريع وأهدافها.
وتبرز أهمية الاتفاق، في المقابل، في كونه يفتح المجال أمام تطوير شراكات صناعية قد تتجاوز عمليات الاستيراد التقليدي نحو الإنتاج المحلي وتبادل الخبرات والتكوين الهندسي. فامتلاك القدرة على تصنيع بعض مكونات المحركات وصيانتها وتطويرها من شأنه أن يدعم الكفاءات المغربية، ويمنح المقاولات الوطنية فرصاً أكبر للاندماج في سلاسل التوريد المرتبطة بالصناعات الجوية والدفاعية.
كما يمكن أن يساهم هذا التوجه في تعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات الصناعية المتخصصة، مستفيداً من موقعه الجغرافي وبنيته الصناعية الجوية وخبرته المتراكمة في مجالات تصنيع أجزاء الطائرات وصيانتها. غير أن تحقيق هذه الأهداف سيظل مرتبطاً بطبيعة الالتزامات التي ستُترجم إلى اتفاقيات تنفيذية، وحجم الاستثمارات المرصودة، ومستوى نقل التكنولوجيا، والقدرة على تطوير منظومة محلية للبحث والتصنيع والاختبار.
وبذلك، يشكل التعاون المغربي الإماراتي في مجال محركات الطيران مؤشراً على اتساع مجالات الشراكة الصناعية بين البلدين، في وقت تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا المتقدمة في رسم ملامح الصناعات الدفاعية. وبين ما تم الإعلان عنه رسمياً وما يجري تداوله بشأن المحركات والمسيرات بعيدة المدى، تبقى المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مدى قدرة هذه التفاهمات على التحول إلى مشاريع إنتاج ملموسة تعزز موقع المغرب في قطاع الصناعات الجوية.



