
بينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تستعد لاحتضان كأس العالم 2026 بالشراكة مع كندا والمكسيك، يبرز جدل اقتصادي واسع حول حجم الأثر الحقيقي لهذا الحدث العالمي على أكبر اقتصاد في العالم. ورغم الزخم الإعلامي والتوقعات المرتفعة، تكشف أغلب التحليلات أن التأثير سيبقى محدودًا على مستوى الاقتصاد الكلي، مقابل استفادة ملموسة على المستوى المحلي في المدن المستضيفة.
تستعد مدن كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس ودالاس وأتلانتا لاستقبال ملايين المشجعين، ما يحولها إلى فضاءات اقتصادية مفتوحة تنشط فيها قطاعات السياحة والنقل والفنادق والخدمات. ومع هذا التدفق البشري الكبير، تتوقع شركات ومؤسسات اقتصادية ارتفاعًا في الإنفاق الاستهلاكي، خاصة في مجالات الإقامة والترفيه والتنقل، وهو ما يمنح دفعة قصيرة الأجل للاقتصاد المحلي.
في المقابل، تشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن التأثير الإجمالي على الناتج المحلي الأمريكي سيكون ضعيفًا نسبيًا. فبحسب تقديرات متداولة، قد يضيف الحدث ما يقارب 17.2 مليار دولار إلى الاقتصاد الأمريكي، وهو رقم يبدو كبيرًا في حد ذاته، لكنه لا يتجاوز نسبة ضئيلة جدًا من اقتصاد يتخطى 30 تريليون دولار. وهذا يعني أن الأثر لن يتجاوز 0.05 إلى 0.2 بالمئة في أفضل السيناريوهات، وهو ما يعزز فكرة أن البطولة لن تغيّر المسار الاقتصادي العام للولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن طبيعة الاقتصاد الأمريكي الضخم تقلل من تأثير الأحداث الرياضية الكبرى، خاصة في ظل وجود عوامل اقتصادية أكثر وزناً مثل سياسات الاحتياطي الفيدرالي، والاستثمارات التكنولوجية، والتقلبات الجيوسياسية. كما أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل بنية تحتية رياضية متقدمة، ما يقلل من حجم الاستثمارات الجديدة المرتبطة بتنظيم البطولة مقارنة بدول أخرى مضيفة.
ورغم ذلك، يبقى الأثر المحلي أكثر وضوحًا، حيث يُتوقع خلق مئات الآلاف من فرص العمل المؤقتة، سواء بشكل مباشر في الملاعب والمنشآت أو بشكل غير مباشر في قطاع الخدمات. كما ستستفيد شركات الطيران والفنادق والمطاعم بشكل ملحوظ من ارتفاع الطلب، إلى جانب انتعاش سوق الإيجارات قصيرة الأجل والخدمات السياحية.
لكن هذا الحراك الاقتصادي لا يخلو من تحديات، إذ تشير بعض التقديرات إلى تباطؤ في الحجوزات الفندقية مقارنة بالتوقعات الأولية، نتيجة ارتفاع أسعار التذاكر وصعوبات التأشيرات، إضافة إلى تأثيرات التضخم العالمي. كما تطرح بعض التحليلات مفهوم “إزاحة الإنفاق”، حيث يعيد السكان المحليون توجيه ميزانياتهم نحو فعاليات البطولة على حساب أنشطة اقتصادية أخرى.
وعلى مستوى آخر، يظل التوزيع غير المتكافئ للعوائد من أبرز النقاط الجدلية، إذ تستفيد الهيئات المنظمة وحقوق البث والرعاية من الجزء الأكبر من الإيرادات، بينما تتحمل المدن المستضيفة النفقات التشغيلية والأمنية واللوجستية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية الكاملة لهذا النوع من الأحداث.
في المقابل، تؤكد مؤسسات مالية مثل باركليز أن الأثر سيكون مؤقتًا ومحدودًا، مع زيادة طفيفة في الناتج المحلي خلال فترة الصيف فقط، دون تأثير طويل الأمد على النمو الاقتصادي. كما أن غياب استثمارات بنية تحتية ضخمة، كما حدث في دول مضيفة سابقة، يقلل من فرص تحقيق أثر اقتصادي مستدام.
في المحصلة، يبدو أن كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة سيشكل حدثًا رياضيًا عالميًا ضخمًا أكثر منه محركًا اقتصاديًا تحويليًا. فهو يمنح دفعة واضحة لقطاعات السياحة والخدمات والضيافة، ويعزز صورة المدن الأمريكية عالميًا، لكنه في النهاية يظل حدثًا ذا تأثير محدود داخل اقتصاد عملاق قادر على امتصاص مثل هذه الصدمات الإيجابية دون تغييرات هيكلية كبيرة.



