
التكوين بالتوقيت الميسر بالجامعة المغربية: فرصة لتعزيز التكوين المستمر دون المساس بمجانية التعليم العالي
الكاتب : الأستاذ الجامعي إدريس الضاوي
أثار موضوع التكوين الجامعي بالتوقيت الميسر بالجامعات المغربية خلال الفترة الأخيرة نقاشا واسعا، خصوصا بشأن علاقته بمبدأ مجانية التعليم العالي، وبشأن طبيعة هذا النمط من التكوين بالنسبة إلى الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية مع الاستمرار في ممارسة نشاطهم المهني.
غير أن النقاش حول هذا الموضوع يقتضي، في البداية، التمييز بوضوح بين الأصل والاستثناء. فالأصل هو التكوين الجامعي بالتوقيت العادي، الذي يستفيد منه الطلبة وفق مبدأ مجانية التعليم العالي العمومي، بينما يمثل التكوين بالتوقيت الميسر صيغة تنظيمية خاصة تستجيب لوضعية فئة محددة من المستفيدين، وخاصة الأشخاص الذين تحول التزاماتهم المهنية دون متابعة الدراسة وفق التوقيت الجامعي العادي.
وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول وجود صيغة خاصة إلى مدخل للقول بتغيير طبيعة التعليم العالي العمومي أو المساس بمبدأ مجانيته. فوجود نظام بالتوقيت الميسر، إذا ظل محددا في نطاقه ووظيفته، لا يعني إلغاء التكوين العادي المجاني، وإنما يعني توفير صيغة أخرى تراعي ظروف فئة معينة من الراغبين في مواصلة دراستهم.
فالطالب المتفرغ للدراسة يختلف، من حيث الوضعية، عن الموظف أو الأجير الذي يزاول عمله خلال ساعات النهار ويرغب في متابعة دراسته خلال أوقات مسائية أو في نهاية الأسبوع أو وفق برمجة زمنية تتلاءم مع التزاماته المهنية. وبالتالي، فمن الطبيعي أن تكون هناك ترتيبات تنظيمية وبيداغوجية مختلفة، شريطة أن تكون هذه الترتيبات مؤطرة قانونيا وواضحة وشفافة.
ومن هذه الزاوية، فإن التوقيت الميسر يمكن أن يوفر للموظف أو الأجير إمكانية الجمع بين العمل والدراسة، بدل أن يكون أمام خيار صعب بين الحفاظ على نشاطه المهني ومواصلة مساره الجامعي. فهناك أشخاص قد يرغبون في استكمال مسار دراسي توقف في مرحلة سابقة، أو الحصول على شهادة جامعية، أو تطوير معارفهم وتخصصاتهم، دون أن يكونوا قادرين على التخلي عن التزاماتهم المهنية.
ومن ثم، فإن توفير توقيت جامعي يتلاءم مع هذه الظروف يمكن أن يشكل استجابة تنظيمية لحاجة واقعية داخل المجتمع، دون أن يعني ذلك إعادة النظر في طبيعة التكوين الجامعي العادي أو في مبدأ مجانيته.
وفي خضم هذا النقاش، تظل مجانية التعليم العالي نقطة أساسية ينبغي التعامل معها بوضوح. فوجود صيغة بالتوقيت الميسر لا ينبغي أن يُفهم على أنه إلغاء لمجانية التكوين الجامعي العادي، كما لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتعميم الأداء على باقي التكوينات الجامعية.
إن الأمر يتعلق بصيغتين مختلفتين من حيث التنظيم والتوقيت وطبيعة الاستفادة، مع بقاء الأصل قائما، أي التكوين الجامعي العادي لفائدة الطلبة وفق مبدأ المجانية، ووجود التوقيت الميسر باعتباره صيغة خاصة تستجيب لظروف محددة.
ومن هنا، فإن النقاش العمومي ينبغي ألا ينطلق من افتراض أن إدخال التوقيت الميسر يعني بالضرورة تحويل الجامعة العمومية إلى مؤسسة مؤدى عنها. فالمعيار الأساسي هو الحفاظ على حدود واضحة بين التكوين العادي والتكوين بالتوقيت الميسر، وعدم السماح بتحول الاستثناء إلى قاعدة.
كما أن الجامعات، باعتبارها مؤسسات عمومية تضطلع بمهام التكوين والتعليم والبحث العلمي، مطالبة بأن تجعل تنظيم هذا النوع من التكوين واضحا وشفافا، سواء من حيث شروط الولوج، أو طبيعة التكوينات، أو البرمجة الزمنية، أو شروط الاستفادة.
فالشفافية هنا ضرورية حتى يكون المستفيد على بينة من طبيعة التكوين الذي يلج إليه، وحتى يكون الرأي العام قادرا على التمييز بين التكوين الجامعي العادي وبين الصيغ الخاصة التي يتم تنظيمها لفائدة فئات لها ظروف مختلفة.
ولا ينبغي في المقابل النظر إلى الموظف أو الأجير الذي يرغب في العودة إلى الجامعة باعتباره حالة استثنائية سلبية. فوجود نشاط مهني لا يعني انتهاء المسار الجامعي، كما أن الحصول على شهادة في مرحلة معينة من الحياة لا يعني أن الحاجة إلى التعليم والتأهيل تتوقف عندها.
فالجامعة مطالبة بأن تكون قادرة على مواكبة مختلف مراحل المسار العلمي والمهني للمواطن، وأن تظل فضاء مفتوحا أمام من يرغبون في استكمال دراستهم عندما تسمح لهم ظروفهم بذلك.
ومن هذه الزاوية، يمكن للتوقيت الميسر أن يشكل إضافة مهمة للجامعة المغربية، لأنه يسمح بخلق قدر أكبر من المرونة في تنظيم الدراسة، ويقرب الجامعة من فئات قد تكون ظروفها المهنية سببا في الابتعاد عنها.
لكن أهمية هذا النظام تظل مرتبطة بضرورة الحفاظ على طبيعته الخاصة. فالتوقيت الميسر ينبغي أن يبقى صيغة محددة الغرض، موجهة إلى من يحتاجون إليها فعلا بسبب ظروفهم المهنية، وألا يتحول تدريجيا إلى بديل عن التكوين الجامعي العادي.
وهنا تحديدا تكمن أهمية قاعدة بسيطة ينبغي الحفاظ عليها: الأصل قائم، والاستثناء موجود.
فالأصل هو التكوين الجامعي العادي، والاستثناء هو التوقيت الميسر. ولا ينبغي أن يؤدي وجود الاستثناء إلى إعادة تعريف الأصل أو إلى المساس بالمبدأ الذي تقوم عليه مجانية التعليم العالي العمومي.
إن التخوف الحقيقي لا ينبغي أن يكون من وجود صيغة جامعية مرنة في حد ذاتها، وإنما من إمكانية أن تتحول هذه الصيغة مستقبلا إلى نموذج عام يعيد تشكيل الجامعة العمومية على أساس مختلف عن الأساس الذي تقوم عليه حاليا.
أما إذا ظل التوقيت الميسر محصورا في وظيفته التنظيمية، واستجاب لحاجيات فئات محددة، مع احترام الضوابط القانونية والبيداغوجية، فإنه يمكن أن يشكل قيمة مضافة للجامعة المغربية، ويساهم في جعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.
وفي النهاية، فإن النقاش المسؤول حول التوقيت الميسر لا ينبغي أن يختزل في سؤال: هل هو مع المجانية أم ضدها؟ بل ينبغي أن ينصب على كيفية تنظيم هذه الصيغة، وحدودها، والفئات المستفيدة منها، وضمان ألا تتحول من استثناء تنظيمي إلى قاعدة عامة.
فالجامعة المغربية مطالبة اليوم بالحفاظ على وظيفتها كخدمة عمومية، وفي الوقت نفسه بالقدرة على الاستجابة للحاجيات المتنوعة للمجتمع. وفتح المجال أمام الموظف والأجير لمواصلة دراسته وفق توقيت يتلاءم مع التزاماته المهنية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تخليا عن مجانية التعليم، ما دام التكوين الجامعي العادي يظل قائما ومحافظا على مكانته باعتباره الأصل.
ويبقى الرهان الحقيقي هو الحفاظ على هذا التوازن: تكوين جامعي عادي مجاني باعتباره الأصل، وتوقيت ميسر باعتباره استثناء منظما، دون أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة أو يصبح مدخلا للمساس بمبدأ مجانية التعليم العالي



