
ارتفاع قياسي في أسعار الطماطم بأوروبا يعيد إبراز الوزن الاستراتيجي للمنتوج المغربي
متابعة خالد وجنا - Heure Du Journal
تشهد أسواق أوروبية، ولا سيما في فرنسا وإسبانيا، ارتفاعاً لافتاً في أسعار الطماطم، بالتزامن مع تراجع نسبي في كميات الطماطم المغربية المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، في سياق يكشف مجدداً عن الأهمية التي باتت تحظى بها المنتجات الفلاحية المغربية داخل سلاسل الإمداد الأوروبية.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومعها وسائل إعلام محلية صوراً لأسعار مرتفعة للطماطم في بعض المتاجر الفرنسية والإسبانية، من بينها أسعار وصلت، وفق المعطيات المتداولة، إلى نحو 8 يورو للكيلوغرام بالنسبة لبعض الأصناف، بينما ظهرت أسعار للطماطم المحلية الفرنسية عند مستويات قاربت 12.39 يورو للكيلوغرام. غير أن هذه الأسعار تظل مرتبطة بمتاجر وأصناف ومناطق محددة، ولا يمكن تعميمها باعتبارها متوسطاً وطنياً للسوق الأوروبية بأكملها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه بيانات التجارة الدولية المكانة المهمة التي يحتلها المغرب في سوق الطماطم الأوروبية. فخلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، استورد الاتحاد الأوروبي نحو 243 ألف طن من الطماطم المغربية، بانخفاض قدره 10.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2023، غير أن القيمة الإجمالية لهذه المشتريات ارتفعت من حوالي 519.2 مليون يورو إلى 539.4 مليون يورو، ما يعني أن متوسط قيمة الكيلوغرام ارتفع من 1.92 يورو إلى 2.22 يورو.
وتكشف هذه الأرقام أن العلاقة بين المغرب والسوق الأوروبية لا تختزل فقط في حجم الكميات المصدرة، بل تشمل أيضاً القيمة الاقتصادية للمنتوج وموقعه داخل سلاسل التوريد. وتظل فرنسا الوجهة الأوروبية الأبرز للطماطم المغربية، إذ استقبلت خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 حوالي 182 ألف طن، أي ما يقارب ثلاثة أرباع واردات الاتحاد الأوروبي من الطماطم المغربية خلال الفترة نفسها، رغم تسجيل انخفاض مقارنة بسنة 2023.
أما إسبانيا، فقد سجلت مساراً مختلفاً، بعدما ارتفعت وارداتها من الطماطم المغربية بشكل واضح. ووفق بيانات جمعتها منصة Hortoinfo استناداً إلى إحصائيات Estacom التابعة للمنظومة التجارية الإسبانية، بلغت الواردات الإسبانية من الطماطم المغربية بين يناير وماي 2026 نحو 46,430 طناً، وهو ما يمثل أكثر من 70 في المائة من إجمالي واردات إسبانيا من الطماطم خلال الفترة نفسها.
ويأتي ذلك في سياق تحولات أعمق شهدها سوق الطماطم الأوروبي خلال السنوات الماضية. فبين 2013 و2025، ارتفعت صادرات الطماطم المغربية إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 44 في المائة، لتصل إلى حوالي 526.6 ألف طن سنة 2025، بينما تراجعت صادرات إسبانيا إلى السوق الأوروبية بنسبة تناهز 47 في المائة خلال الفترة نفسها، وفق بيانات Eurostat/Euroestacom التي أوردتها مصادر متخصصة في القطاع.
كما ارتفعت قيمة صادرات الطماطم المغربية نحو الاتحاد الأوروبي بشكل كبير، إذ بلغت حوالي 1.04 مليار يورو سنة 2025، مقابل نحو 278 مليون يورو سنة 2013، فيما ارتفع متوسط السعر المصرح به للمنتوج المغربي من 0.77 يورو للكيلوغرام إلى حوالي 1.99 يورو خلال الفترة نفسها.
وتؤكد بيانات التجارة العالمية بدورها حجم الحضور المغربي في السوق الفرنسية. ففي سنة 2024، صدّر المغرب أكثر من 410 آلاف طن من الطماطم الطازجة أو المبردة إلى فرنسا بقيمة تجاوزت 681 مليون دولار، متقدماً بفارق واضح على إسبانيا التي صدرت إلى السوق الفرنسية نحو 80.9 ألف طن خلال السنة نفسها.
ويكتسب هذا الحضور أهمية أكبر بالنظر إلى طبيعة الطلب الأوروبي على الطماطم المغربية، خصوصاً خلال الفترات التي يكون فيها الإنتاج الأوروبي أقل وفرة. وتوضح وثائق المفوضية الأوروبية الخاصة بسوق الخضر والفواكه أن واردات الطماطم المغربية تتركز بدرجة كبيرة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى ماي، عندما تكون الأسعار الأوروبية في العادة أعلى، بينما تكون الواردات أقل خلال موسم الصيف الذي يرتفع فيه الإنتاج داخل الاتحاد الأوروبي.
وبالتالي، فإن ارتفاع الأسعار في بعض نقاط البيع الأوروبية لا يمكن اختزاله في عامل واحد أو نسبته حصراً إلى تراجع الصادرات المغربية، إذ تتداخل في تحديد أسعار الطماطم عوامل متعددة، من بينها الإنتاج المحلي، الظروف المناخية، تكاليف الطاقة والنقل، تكاليف التعبئة والتوزيع، وهوامش الوسطاء والمتاجر، فضلاً عن مستوى العرض والطلب في كل سوق.
ومع ذلك، فإن المعطيات التجارية المتاحة تبرز بوضوح أن الطماطم المغربية أصبحت عنصراً مهماً في منظومة الإمداد الأوروبية. ففي الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بلغ مجموع مشتريات دول الاتحاد الأوروبي من الطماطم نحو 1.11 مليون طن، وكانت إسبانيا في الصدارة بحوالي 267.35 مليون كيلوغرام، تليها المغرب بنحو 243.47 مليون كيلوغرام، ثم هولندا بحوالي 226.3 مليون كيلوغرام. وبلغ متوسط سعر الطماطم المتداولة داخل الاتحاد خلال الفترة نفسها حوالي 2.40 يورو للكيلوغرام.
وتبرز هذه الأرقام أن المنافسة بين الإنتاج المغربي والأوروبي تجري داخل سوق أصبحت أكثر ارتباطاً بشبكات التوريد العابرة للحدود. فبالنسبة للمستهلك الأوروبي، لا يتعلق الأمر فقط بمصدر الطماطم، وإنما بمدى قدرة السوق على ضمان الإمداد المنتظم وبأسعار مستقرة، خصوصاً خلال الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج المحلي.
وفي هذا السياق، تعيد التطورات الحالية النقاش حول الخطاب الذي يرافق أحياناً الصادرات المغربية إلى أوروبا، ولا سيما في إسبانيا، حيث سبق أن عبّرت قطاعات من المنتجين عن مخاوفها من المنافسة المغربية وطالبت بإجراءات أكثر صرامة تجاه الواردات القادمة من المملكة. غير أن الأرقام التجارية تظهر في المقابل أن المغرب أصبح مورداً رئيسياً للسوق الأوروبية، وأن حضوره لم يعد هامشياً داخل منظومة تجارة الطماطم.
وتكشف التجربة كذلك أن قدرة المغرب على تنويع وجهات صادراته وتطوير الإنتاج الموجه للأسواق الخارجية أصبحت عاملاً مهماً في تعزيز موقعه التجاري. كما أن ارتفاع قيمة الصادرات، رغم تراجع بعض الكميات في أسواق معينة، يعكس تحولاً تدريجياً من التركيز على حجم الصادرات إلى رفع القيمة الاقتصادية للمنتوج وتحسين تموقعه داخل الأسواق الخارجية.
وبينما تستمر صور الأسعار المرتفعة للطماطم في إثارة التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، فإن قراءة الأرقام بعيداً عن المبالغة تكشف حقيقة أكثر أهمية: المنتوج المغربي أصبح جزءاً مؤثراً من معادلة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد في السوق الأوروبية، خصوصاً خلال فترات انخفاض العرض المحلي.
وهكذا، فإن قصة “الطماطم المغربية” في أوروبا لم تعد مجرد نقاش حول المنافسة بين فلاحي ضفتي المتوسط، بل أصبحت مثالاً على التحولات العميقة التي يعرفها القطاع الفلاحي العالمي، حيث تتداخل القدرة الإنتاجية، والمناخ، والأسعار، وسلاسل النقل والتوزيع، والتجارة الدولية في تحديد ما يصل في نهاية المطاف إلى رفوف المتاجر الأوروبية وإلى مائدة المستهلك.



