
في خطوة ستعيد فتح نقاش سياسي وشعبي واسع داخل المغرب، أعلن الاحتلال الإسرائيلي أن الرباط وتل أبيب اتفقتا على الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية إلى مستوى السفارات وتعيين سفراء بشكل متبادل، في تطور يمثل مرحلة جديدة في مسار التطبيع الذي انطلق سنة 2020 برعاية أمريكية.
وبالنسبة إلى كثير من المغاربة، لا يتعلق الأمر هنا بمجرد إجراء دبلوماسي أو تبادل للسفراء، وإنما بخطوة سياسية تحمل دلالات عميقة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما رافقها من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، وأزمة إنسانية خانقة.
إن رفع مستوى العلاقات من مكاتب الاتصال إلى سفارات كاملة لا يمكن اختزاله في لغة البروتوكول. فالسفارة ليست مجرد بناية تحمل علماً، والسفير ليس مجرد موظف دبلوماسي، وإنما هو تعبير رسمي عن طبيعة العلاقة بين دولتين، ورسالة سياسية واضحة إلى الداخل والخارج.
ومن هنا تبرز المفارقة التي تجعل هذه اللحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الرأي العام المغربي.
ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وفي الوقت الذي تظل فيه القدس والقضية الفلسطينية حاضرتين بقوة في الوجدان المغربي، تأتي خطوة توسيع العلاقات الرسمية مع الاحتلال الإسرائيلي لتطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً صعباً: هل يمكن أن تتحول العلاقات الدبلوماسية إلى علاقة طبيعية مكتملة الأركان بينما تستمر المأساة الفلسطينية بكل هذا الحجم؟
المسار لم يبدأ اليوم. ففي 22 دجنبر 2020، وقعت الولايات المتحدة والمغرب والاحتلال الإسرائيلي إعلاناً ثلاثياً نص على استئناف العلاقات الرسمية وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة وودية، مع إعادة فتح مكاتب الاتصال في الرباط وتل أبيب.
وبعد ذلك، تطورت العلاقات تدريجياً. فقد أعيد افتتاح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط سنة 2021، كما أعلنت الولايات المتحدة لاحقاً أن المغرب والاحتلال الإسرائيلي يتجهان إلى الارتقاء بممثلياتهما إلى سفارات.
وهنا تحديداً تكمن إحدى النقاط التي تستحق النقاش: هل أصبح التطبيع مساراً يتقدم تلقائياً، خطوة بعد أخرى، بغض النظر عن الظروف السياسية والإنسانية في المنطقة؟
بالنسبة للمدافعين عن هذا المسار، فإن العلاقات الدبلوماسية تفتح قنوات للحوار والتعاون الاقتصادي والأمني والثقافي، وقد استندت الرباط منذ البداية إلى منطق المصالح الوطنية والعلاقات التاريخية بين المغرب واليهود المغاربة، إضافة إلى ملفات استراتيجية أخرى.
لكن في المقابل، يرى منتقدو التطبيع أن توسيع العلاقات في الظروف الحالية يمنح الاحتلال الإسرائيلي مكسباً دبلوماسياً في وقت كان يفترض فيه، من وجهة نظرهم، استخدام العلاقات الدولية للضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين والدفع نحو حل عادل للقضية الفلسطينية.
والأشد إيلاماً بالنسبة إلى هؤلاء المنتقدين أن الإعلان يأتي في سياق إقليمي لا تزال فيه صور الدمار والضحايا الفلسطينيين حاضرة بقوة، الأمر الذي يجعل الانتقال من مكاتب اتصال إلى سفارات يبدو، في نظرهم، أكثر من مجرد تحديث للعلاقات الدبلوماسية.
أما الولايات المتحدة، فكانت منذ البداية طرفاً أساسياً في مسار التطبيع المغربي الإسرائيلي. فالوثيقة الثلاثية الموقعة في الرباط سنة 2020 حملت توقيعات ممثلي الدول الثلاث، وربطت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية بتعاون أوسع في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطيران والسياحة والأمن وغيرها.
وهكذا، فإن المشهد الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن المعادلة التي تشكلت منذ نهاية 2020: المغرب، إسرائيل والولايات المتحدة في مسار دبلوماسي متداخل، لكل طرف فيه حساباته ومصالحه الاستراتيجية.
لكن السياسة ليست مصالح فقط، والشعوب لا تقرأ الملفات الدبلوماسية بالأرقام وحدها.
في المغرب تحديداً، ظلت القضية الفلسطينية مرتبطة تاريخياً بالوجدان الشعبي، كما أن الملك محمد السادس يرأس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي. ولهذا فإن أي خطوة تتعلق بالعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي تظل محكومة، إلى جانب الحسابات الدبلوماسية والاستراتيجية، بمدى انسجامها مع صورة المغرب ومواقفه المعلنة تجاه القضية الفلسطينية.
ومن حق المغاربة، بل من الطبيعي، أن يطرحوا الأسئلة حول حدود التطبيع، وأهدافه، ومكاسبه، وكلفته السياسية، وموقع القضية الفلسطينية داخل هذه المعادلة.
إن رفع العلاقات إلى مستوى السفارات ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً؛ إنه قرار سياسي كبير يستحق نقاشاً وطنياً صريحاً وشفافاً.
وفي زمن الحرب، تصبح صورة السفارة أكثر من مجرد عنوان دبلوماسي. إنها أيضاً رسالة سياسية. ولذلك سيظل السؤال مفتوحاً: كيف يمكن للمغرب أن يوازن بين مصالحه الاستراتيجية وعلاقاته الدولية من جهة، وبين مواقفه التاريخية تجاه فلسطين والقدس والرفض الشعبي الواسع لما يجري في غزة من جهة أخرى؟
ذلك هو جوهر النقاش، بعيداً عن الشعارات وبعيداً كذلك عن محاولة إسكات الأصوات المنتقدة للتطبيع.
فالدبلوماسية قد تبني جسوراً بين الحكومات، لكن شرعية أي خيار سياسي تظل مرتبطة أيضاً بقدرته على الصمود أمام أسئلة الشعب والتاريخ والضمير.



