
ألغت محكمة نانتير الفرنسية جزءاً كبيراً من قرار مؤسسة فرانس ترافاي (France Travail) القاضي بمطالبة أحد المستفيدين من إعانات البطالة بإرجاع مبلغ مالي ضخم يناهز 129 ألف يورو، بعدما اتهمته المؤسسة بالإقامة خارج التراب الفرنسي لفترات تتجاوز الحد المسموح به سنوياً، بسبب رحلاته المتكررة إلى المغرب.
وتعود القضية إلى خلاف بين المستفيد والمؤسسة الفرنسية المكلفة بخدمات التشغيل والتعويض عن البطالة، بعدما اعتبرت France Travail أن كثرة سفر المعني بالأمر إلى المغرب تشكل مؤشراً على أنه لم يعد يقيم فعلياً في فرنسا، وبالتالي لم يعد يستوفي شروط الاستفادة من إعانات البطالة خلال الفترات المعنية.
وكانت المؤسسة قد طالبت المعني بالأمر بإرجاع مبلغ إجمالي قدره 129,253 يورو، على أساس أنه استفاد من تعويضات في وقت كان يقيم فيه خارج فرنسا لفترات تتجاوز عتبة 35 يوماً سنوياً المسموح بها في بعض حالات الاستفادة من إعانات البطالة.
غير أن محكمة نانتير لم تتبنَّ بالكامل قراءة المؤسسة الفرنسية للوقائع، معتبرة أن تعدد الرحلات بين فرنسا والمغرب لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات أن المستفيد نقل محل إقامته الاعتيادي إلى خارج فرنسا.
وأخذ القضاء الفرنسي بعين الاعتبار مجموعة من المعطيات التي قدمها دفاع المعني بالأمر، من بينها كشوفاته البنكية التي أظهرت وجود عدد كبير من عمليات السحب والأداء داخل التراب الفرنسي، وهو ما اعتبره القضاء عنصراً مهماً في تقييم مكان إقامته الفعلي.
كما استند الدفاع إلى فواتير استهلاك المياه المرتبطة بالمنزل الذي يتوفر عليه المعني بالأمر في المغرب، حيث أظهرت الوثائق المقدمة أمام المحكمة أن الاستهلاك كان محدوداً، الأمر الذي اعتُبر مؤشراً لا ينسجم مع فرضية الإقامة الدائمة أو الاعتيادية في ذلك المسكن.
وبناء على مجموع هذه العناصر، خلصت المحكمة إلى أن الرحلات المتكررة إلى المغرب لا تعني بالضرورة أن صاحبها اتخذ من المغرب محل إقامة دائم، خصوصاً عندما تكون هناك مؤشرات أخرى تؤكد استمرار ارتباطه بالحياة اليومية في فرنسا.
ورغم ذلك، لم تُسقط المحكمة المطالبة المالية بشكل كامل، إذ تبين خلال النظر في الملف أن المعني بالأمر أقر بإقامته شبه الكلية في المغرب خلال فترة محددة من سنة 2024. وبناء على ذلك، جرى حصر المبلغ المستحق في حدود 26,374 يورو، بدلاً من أكثر من 129 ألف يورو كانت تطالب بها المؤسسة في البداية.
ويمثل هذا التخفيض فارقاً مالياً كبيراً، إذ انتقلت المطالبة من 129,253 يورو إلى 26,374 يورو، بعدما رأت المحكمة أن حرمان المستفيد من كامل حقوقه عن جميع الفترات التي شهدت سفريات إلى المغرب لم يكن مبرراً بالمعطيات المتوفرة في الملف.
واقتصر التصحيح المالي، وفق المعطيات المرتبطة بالحكم، على حوالي خمسة أشهر من سنة 2024، وهي الفترة التي ثبت فيها أن المستفيد كان يقيم بشكل شبه كامل في المغرب، بما يجعل استفادته من التعويضات الفرنسية خلال تلك المدة محل تسوية.
وفي إطار مراعاة وضعية المعني بالأمر، منحه القضاء إمكانية أداء المبلغ المتبقي على 19 قسطاً شهرياً، في حين رفض الطلبات الإضافية التي تقدمت بها المؤسسة الفرنسية للحصول على تعويضات أخرى.
وتسلط هذه القضية الضوء على الإشكالات التي يمكن أن تطرحها مراقبة شروط الإقامة بالنسبة للمستفيدين من إعانات البطالة في فرنسا، خصوصاً بالنسبة للمهاجرين الذين تربطهم علاقات عائلية واجتماعية واقتصادية بكل من فرنسا وبلدانهم الأصلية، ومن بينها المغرب.
كما تؤكد القضية، بحسب حيثياتها، أن كثرة السفر إلى خارج فرنسا لا تشكل وحدها دليلاً حاسماً على نقل محل الإقامة، إذ يمكن للمحكمة أن تنظر في مجموعة من المؤشرات المادية لتحديد مكان الإقامة الفعلي، من بينها المعاملات البنكية، والاستهلاك المنزلي، والوثائق والفواتير، إلى جانب اعترافات المعني بالأمر والفترات التي قضاها فعلياً خارج التراب الفرنسي.
وتأتي أهمية الحكم بالنسبة للمستفيدين من نظام التعويض عن البطالة في فرنسا من كونه يبرز الفرق بين السفر المؤقت خارج البلاد وبين نقل محل الإقامة الاعتيادي إلى الخارج، وهما وضعان قد تترتب عنهما آثار قانونية ومالية مختلفة.
ومع أن الحكم لم يعفِ المعني بالأمر من إعادة جميع المبالغ، فإنه خفّض بشكل كبير قيمة المطالبة المالية، بعدما رفض اعتبار رحلاته المتعددة إلى المغرب دليلاً كافياً على إقامته الدائمة خارج فرنسا طوال الفترة محل النزاع.
وتكشف القضية في المقابل عن أهمية احتفاظ المستفيدين من الإعانات الاجتماعية بالوثائق التي يمكن أن تثبت إقامتهم الفعلية في فرنسا، خصوصاً عند السفر المتكرر إلى الخارج، تفادياً لأي نزاع مستقبلي بشأن شروط الاستحقاق أو المطالبة بإرجاع مبالغ مالية سبق صرفها.



