اعلان
اعلان
سياسة

هيومن رايتس ووتش تكشف معطيات عن 200 مغربي محتجزين بالعراق بسبب ارتباطهم بـ«داعش» ومخاوف من أحكام الإعدام

هيئة التحرير - Heure du journal

عاد ملف المعتقلين المغاربة المرتبطين بتنظيم «داعش» في العراق وسوريا إلى واجهة النقاش الحقوقي، عقب تسليط منظمة «هيومن رايتس ووتش» الضوء على أوضاع آلاف الأشخاص الذين نقلتهم القوات الأمريكية من مراكز الاحتجاز التي كانت تديرها القوات الكردية في شمال شرق سوريا إلى السجون العراقية، في إطار ترتيبات تهدف إلى مواصلة التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بالانتماء إلى التنظيم الإرهابي.
ووفق المعطيات التي أوردتها المنظمة الحقوقية الدولية في تقريرها، يقدر عدد المغاربة الموجودين ضمن هذه المجموعة بنحو 200 شخص، بينهم أطفال وقاصرون، في وقت تثير فيه ظروف الاحتجاز والمخاوف من المحاكمات غير العادلة واحتمال صدور أحكام بالإعدام تساؤلات بشأن مصيرهم القانوني والإنساني، ومسؤولية الدول المعنية عن ضمان حقوقهم الأساسية.
وتأتي هذه التطورات في سياق نقل آلاف المشتبه في ارتباطهم بتنظيم «داعش» إلى العراق، حيث أصبحوا خاضعين للولاية القضائية العراقية، وسط مطالب حقوقية بضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة، وعدم اللجوء إلى عقوبة الإعدام في محاكمات لا تستوفي المعايير الدولية.
وتشير تقديرات «هيومن رايتس ووتش» إلى أن نحو 5700 رجل وطفل نقلوا إلى العراق خلال السنة الجارية، قادمين من مراكز احتجاز في شمال شرق سوريا، في عملية أثارت مخاوف بشأن مصير المعتقلين، خصوصاً في ظل استمرار احتجاز عدد منهم لسنوات، وعدم حسم أوضاعهم القانونية بشكل نهائي.
وتحذر المنظمة من أن البالغين قد يواجهون محاكمات وصفتها بغير العادلة، مع احتمال صدور أحكام بالإعدام، في حين يظل الأطفال والفتيان من بين الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، بالنظر إلى ظروف اعتقالهم وطبيعة الاتهامات الموجهة إليهم ومدى مسؤوليتهم الفردية عن الأفعال المنسوبة إلى التنظيم.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، يتوزع المعتقلون المعنيون على 67 دولة، من بينها 16 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعشر دول أوروبية. وتضم القائمة نحو 3497 سورياً، و474 عراقياً، و230 تونسياً، و200 مغربي، و184 تركياً، و140 روسياً، و115 مصرياً، و70 سعودياً، إلى جانب مواطنين من دول أخرى، من بينها أستراليا وإندونيسيا وكندا والمملكة المتحدة.
غير أن المنظمة توضح أن الأرقام المتعلقة بجنسيات المعتقلين، ومن ضمنها عدد المغاربة، تظل تقديرية وغير نهائية، لأنها تستند إلى معلومات جمعتها من مصادر حكومية وغير حكومية واكبت عمليات النقل، في ظل غياب معطيات رسمية عراقية منشورة ومفصلة بشأن جميع الجنسيات الموجودة داخل مراكز الاحتجاز.
ويكتسي ملف الأطفال أهمية خاصة في هذا السياق، إذ أفادت المنظمة بوجود أكثر من 440 طفلاً ضمن الأشخاص الذين نقلوا إلى العراق، من بينهم طفل يبلغ من العمر 12 عاماً، فيما يحمل معظم هؤلاء الجنسية السورية، بينما ينحدر الباقون من نحو 15 دولة أخرى. كما تحدث التقرير عن شبان اعتقلوا عندما كانوا أطفالاً بسبب صلاتهم العائلية بأشخاص ينتمون إلى التنظيم، وظلوا محتجزين دون محاكمات تستوفي الضمانات القانونية المطلوبة.
وتثير هذه المعطيات إشكالات حقوقية معقدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصرين لم تثبت مشاركتهم الشخصية في أي جرائم. فمجرد الانتماء العائلي إلى أشخاص متهمين بالإرهاب لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على المسؤولية الجنائية، كما أن التعامل مع الأطفال يقتضي مراعاة سنهم وظروف تجنيدهم أو وجودهم في مناطق النزاع، مع إعطاء الأولوية لمصلحتهم الفضلى وإعادة إدماجهم كلما كان ذلك ممكناً.
وفي جانب آخر، نبهت «هيومن رايتس ووتش» إلى المخاطر الصحية التي تواجه المعتقلين، مشيرة إلى وجود أكثر من ألف شخص يعانون أمراضاً خطيرة أو معدية، من بينها مرض السل. ويضاعف الاكتظاظ وظروف الاحتجاز الصعبة من المخاوف بشأن الحق في الصحة والسلامة الجسدية، ويطرح ضرورة توفير الرعاية الطبية اللازمة لجميع المحتجزين، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.
وبالنسبة إلى المغرب، يعيد هذا الملف طرح تساؤلات بشأن مصير مواطنيه الموجودين في السجون العراقية ومخيمات شمال شرق سوريا، ومدى استعداد السلطات المغربية للتحرك من أجل التحقق من هوياتهم وأوضاعهم القانونية، والعمل على إعادتهم وفق ترتيبات قانونية ودبلوماسية تضمن محاكمات عادلة لمن تثبت مسؤوليتهم الجنائية، وتحمي حقوق الأطفال والقاصرين الذين لم يثبت تورطهم في جرائم.
كما يطرح الملف أهمية التعاون القضائي بين المغرب والعراق، بما يسمح بتبادل المعلومات والأدلة، وتحديد المسؤوليات الفردية، ودراسة الإمكانات القانونية المتاحة لنقل المحكوم عليهم أو المشتبه فيهم إلى بلدانهم، وفق الاتفاقيات والإجراءات المعمول بها. ويظل أي حديث عن نقل المعتقلين أو تسليمهم مرتبطاً بالتحقق من الإطار القانوني المنطبق على كل حالة، وبالتنسيق مع السلطات القضائية المختصة في البلدين.
وتؤكد المعطيات المتداولة أن التعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يقوم على مقاربة واحدة تشمل جميع المعتقلين، بل يستدعي التمييز بين من تثبت مشاركتهم في جرائم خطيرة، ومن لم تتوافر أدلة كافية بشأنهم، فضلاً عن الأطفال الذين ينبغي تقييم أوضاعهم وفق قواعد العدالة الخاصة بالأحداث والمعايير الدولية لحماية الطفولة.
وفي هذا الإطار، دعت المنظمة الحقوقية الولايات المتحدة والسلطات العراقية إلى حث الدول المعنية على استعادة مواطنيها الذين لم تثبت إدانتهم بجرائم مرتبطة بالعراق، ومحاكمتهم عند الاقتضاء وفق القانون وضمانات المحاكمة العادلة. غير أن عدداً من الحكومات لا يزال متردداً في تنفيذ عمليات الإعادة، بسبب اعتبارات أمنية وقانونية وسياسية، وهو ما يطيل أمد احتجاز هؤلاء الأشخاص ويزيد من تعقيد أوضاعهم.
ويضع هذا التطور السلطات المغربية أمام تحدي الموازنة بين متطلبات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، من جهة، واحترام الالتزامات القانونية والحقوقية، من جهة أخرى. فإعادة المواطنين لا تعني بالضرورة إعفاءهم من المساءلة، وإنما قد تتيح إخضاع ملفاتهم لتحقيقات أكثر دقة، وتقييم الأدلة المتاحة بشأن كل شخص، ومحاكمة من تثبت مسؤوليته أمام القضاء المختص، مع ضمان حقوق الدفاع وقرينة البراءة.
كما أن معالجة أوضاع الأطفال تتطلب مقاربة مستقلة تراعي ظروف نشأتهم في مناطق النزاع، وتحول دون تحميلهم مسؤولية أفعال آبائهم أو أقاربهم. وتبقى إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، والتأكد من سلامة البيئة الأسرية، من العناصر الأساسية لأي خطة لإعادة الإدماج.
وفي انتظار صدور معطيات رسمية أكثر تفصيلاً بشأن عدد المغاربة المحتجزين وأوضاعهم القانونية، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كانت الرباط ستتحرك لتحديد مصير هؤلاء المواطنين، والتنسيق مع بغداد والجهات المعنية في سوريا، من أجل إيجاد حلول قانونية لكل حالة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يواجهون خطر الإعدام أو الذين لم تثبت مسؤوليتهم عن جرائم.
وبين الاعتبارات الأمنية والالتزامات القضائية والحقوقية، يبقى مصير نحو 200 مغربي، وفق تقديرات المنظمة، ملفاً يستدعي توضيحاً رسمياً ومتابعة دقيقة، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب عند ثبوت الجرائم، وفي الوقت نفسه يمنع الإدانة الجماعية أو المساس بحقوق الأشخاص الذين لم تثبت مسؤوليتهم، ويحمي الأطفال من تبعات نزاع لم يختاروا ظروفه.

اعلان
اعلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى