
أثارت الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، اهتماماً سياسياً وإعلامياً، في خطوة تعيد إلى الواجهة ملف الثغرين المحتلين سبتة ومليلية، وما يرتبط به من اعتبارات تاريخية وسيادية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى حساسية قضية سبتة ومليلية في الوجدان الوطني المغربي، باعتبارهما مدينتين تقعان على التراب المغربي وتخضعان للإدارة الإسبانية. كما تطرح، من جديد، تساؤلات بشأن انعكاسات التحركات الرمزية للمؤسسة الملكية الإسبانية على مسار العلاقات الثنائية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة محاولات لتعزيز التعاون في عدد من الملفات الاستراتيجية.

وشهدت الزيارة اهتماماً واسعاً في الأوساط الإسبانية، وسط أجواء احتفالية رافقتها مظاهر ترحيب ورفع للأعلام الإسبانية. غير أن هذه المشاهد، التي تقدمها بعض الأوساط الإسبانية باعتبارها تعبيراً عن الارتباط بالمدينة، تثير في المقابل انتقادات مغربية ترى فيها تكريساً لواقع تعتبره المملكة مسألة مرتبطة بوحدتها الترابية وامتدادها التاريخي.
وتظل قضية سبتة ومليلية من الملفات التي تتجاوز أبعادها الإدارية والسياسية الراهنة، بالنظر إلى ارتباطها بتاريخ المنطقة وبطبيعة العلاقات بين الرباط ومدريد. فالمغرب يتمسك بموقفه بشأن استكمال وحدته الترابية، فيما تعتبر إسبانيا المدينتين جزءاً من أراضيها. ويجعل هذا التباين من أي زيارة رسمية رفيعة المستوى إلى الثغرين حدثاً قابلاً لإثارة نقاش سياسي يتجاوز طابعه البروتوكولي.
وتعيد الخطوة الحالية إلى الأذهان زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى سبتة ومليلية في نونبر 2007، والتي أثارت حينها رد فعل دبلوماسياً مغربياً تمثل في استدعاء السفير المغربي من مدريد للتشاور، في تعبير عن رفض الرباط للزيارة وتداعياتها السياسية. وشكلت تلك الواقعة محطة بارزة في تاريخ الخلاف حول المدينتين، وأظهرت مدى حساسية هذا الملف في العلاقات بين البلدين.
وتأتي الزيارة الجديدة في سياق تتداخل فيه الاعتبارات السيادية مع المصالح الاستراتيجية المشتركة، إذ تربط المغرب وإسبانيا علاقات تعاون تشمل تدبير الهجرة، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والتنسيق الأمني، والتبادل التجاري والاستثمار. كما يضطلع البلدان بأدوار مهمة في محيطهما الإقليمي، ما يجعل الحفاظ على قنوات الحوار والتواصل أمراً أساسياً لتفادي انتقال الخلافات السياسية إلى مجالات التعاون العملي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعامل مع ملف سبتة ومليلية بمنطق سياسي ودبلوماسي يأخذ بعين الاعتبار حساسية القضية لدى المغاربة، وضرورة احترام مواقف الطرفين بشأن القضايا الخلافية. فالعلاقات الثنائية المستقرة لا تقوم فقط على المصالح الاقتصادية والأمنية، بل تتطلب أيضاً تفادي الخطوات والرسائل التي يمكن أن تُفهم باعتبارها تجاهلاً للاعتبارات السيادية والتاريخية للطرف الآخر.
وتظل الزيارات الملكية في الأنظمة السياسية ذات دلالات رمزية تتجاوز مضمونها البروتوكولي، خصوصاً عندما تتعلق بمناطق تشكل موضوع خلاف تاريخي وسياسي. لذلك، فإن تداعيات زيارة فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة ستظل مرتبطة بكيفية تفاعل الرباط ومدريد معها، وبمدى قدرة البلدين على الحفاظ على التوازن بين المصالح المشتركة والخلافات العالقة.
وبينما يواصل المغرب التأكيد على موقفه بشأن سبتة ومليلية، يبقى مستقبل هذا الملف رهيناً بالتطورات السياسية والدبلوماسية، وبمدى استعداد الطرفين لتدبير خلافاتهما في إطار الحوار والمسؤولية، بما يحفظ مصالحهما المشتركة دون تجاهل القضايا التي يعتبرها المغرب جزءاً من وحدته الترابية.



