
حزب الاستقلال يفتح نقاشا جديدا حول المحروقات ويضع المال العام في قلب الجدل الاقتصادي
Heure du journal
في خضم النقاش الوطني المتجدد حول أسعار المحروقات بالمغرب، يعود حزب الاستقلال إلى واجهة الجدل الاقتصادي بمقاربة مختلفة عن الدعوات المطالِبة بتسقيف الأسعار بشكل مباشر، مفضلا فتح نقاش أعمق يرتبط بكيفية حماية القدرة الشرائية للمواطن دون إثقال كاهل المالية العمومية أو الإضرار بتوازنات الدولة الاقتصادية.
ويطرح الحزب، في هذا السياق، مقاربة تعتبر أن معالجة ملف المحروقات لا يمكن اختزالها في إجراءات ظرفية مرتبطة بتقلبات الأسعار في السوق الدولية، بل يجب أن تمتد إلى بنية السوق الوطنية نفسها، وطبيعة المنافسة بين الفاعلين، ومستوى الأرباح المحققة داخل القطاع، إضافة إلى آليات ضبط العلاقة بين الدولة والسوق.
وفي قلب هذا الطرح، يبرز هاجس أساسي لدى حزب الاستقلال يتمثل في الحفاظ على التوازن بين حماية المستهلك وضمان استدامة المالية العمومية، إذ يعتبر أن أي توجه نحو تسقيف أسعار المحروقات بشكل مباشر سيضع الدولة أمام التزامات مالية متزايدة، من خلال تحمل الفارق بين السعر الحقيقي في السوق والسعر الموجه للمستهلك، وهو ما قد ينعكس سلبا على ميزانيات قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والاستثمار العمومي.
ويرى الحزب أن هذا الخيار، رغم جاذبيته الاجتماعية والسياسية، قد يتحول إلى عبء مالي مستدام، خاصة في ظل استمرار تقلبات الأسواق الدولية للطاقة، ما يجعل الدولة في موقع “الممول الدائم” لفروقات الأسعار، بدل التركيز على إصلاح جذري لمنظومة السوق.
ومن هذا المنطلق، يدافع حزب الاستقلال عن توجه بديل يقوم على فكرة “تسقيف الأرباح” بدل “تسقيف الأسعار”، وهي مقاربة تعتبر أن الحل لا يكمن في تدخل مباشر في السعر النهائي للمحروقات، بل في ضبط هوامش الربح داخل سلسلة التوزيع والتكرير، بما يضمن قدرا أكبر من الشفافية والتوازن داخل السوق.
ويؤكد الحزب أن العدالة الاجتماعية في المجال الاقتصادي لا تتحقق فقط عبر الدعم المباشر أو تخفيض الأسعار، بل أيضا من خلال إصلاح بنية السوق، وتعزيز قواعد المنافسة، ومنع أي اختلالات قد تؤدي إلى تضخم غير مبرر في الأرباح على حساب المستهلك.
وفي خلفية هذا النقاش، يبرز تصور اقتصادي أوسع لدى حزب الاستقلال يقوم على أن الدولة الاجتماعية لا تعني بالضرورة التوسع غير المحدود في الدعم، بل تعني أيضا عقلنة الإنفاق العمومي وتوجيهه نحو الاستثمار في القطاعات المنتجة، بدل استنزافه في تغطية فروقات الأسعار بشكل دائم.
ويعتبر الحزب أن استمرار الاعتماد على الدعم المباشر للمحروقات قد يحد من قدرة الدولة على تنفيذ سياسات عمومية استراتيجية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والبنيات التحتية، وهي قطاعات تعتبر ركيزة أساسية لأي نموذج تنموي مستدام.
كما يربط حزب الاستقلال بين إصلاح سوق المحروقات وإصلاح أوسع للاقتصاد الوطني، يقوم على تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين، وضمان أن تعمل آليات السوق وفق قواعد واضحة تمنع الاحتكار غير المباشر أو تضارب المصالح.
وفي المقابل، لا يغفل هذا التصور البعد الاجتماعي للأزمة، إذ يشدد الحزب على أن حماية القدرة الشرائية للمواطن تظل أولوية، لكنها يجب أن تتحقق عبر أدوات مستدامة، وليس عبر حلول ظرفية قد تكون مكلفة على المدى البعيد.
وبين هذا وذاك، يقدم حزب الاستقلال نفسه كمدافع عن خيار “التوازن الاقتصادي”، الذي يوفق بين متطلبات السوق وضرورات العدالة الاجتماعية، معتبرا أن قوة الاقتصاد الوطني لا تقاس فقط بقدرة الدولة على الدعم، بل بقدرتها على بناء منظومة إنتاج وتوزيع عادلة وفعالة.
ويبدو أن هذا النقاش مرشح للاستمرار خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الجدل السياسي والاقتصادي حول أسعار المحروقات، وتباين الرؤى بين من يدعو إلى تدخل مباشر للدولة في تحديد الأسعار، ومن يفضل إصلاح السوق من الداخل لضمان استقرار طويل الأمد.
وفي المحصلة، يراهن حزب الاستقلال على طرح يعتبر أن حماية المواطن لا تعني بالضرورة تحمل الدولة لكل الفاتورة، بل بناء اقتصاد أكثر توازنا، يوزع المسؤوليات بشكل عادل بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، ويضمن في الوقت نفسه استقرار الأسعار واستدامة المالية العمومية.



