
الذكاء الاصطناعي في خدمة الفئات الهشة.. ندوة دولية بمراكش تبحث سبل تعزيز الإدماج الاجتماعي
هيئة التحرير - Heure du journal
احتضنت مدينة مراكش، امس الخميس، جلسة نقاشية ضمن ندوة دولية ينظمها المجلس العالمي للعمل الاجتماعي، خصصت لبحث دور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية في تحسين الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، وتعزيز آليات حماية الفئات الهشة، في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي وتأثيراتها على السياسات الاجتماعية.
وشكلت الجلسة، المنظمة تحت عنوان “الروابط الإنسانية في العصر الرقمي: تسخير التكنولوجيا لخدمة الإدماج الاجتماعي”، مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن سبل توظيف الابتكارات التكنولوجية في تطوير الخدمات الاجتماعية والصحية، وجعلها أكثر سهولة ونجاعة وشمولا، مع التأكيد على ضرورة الحد من الفوارق الرقمية وضمان استمرار البعد الإنساني في مواكبة الأشخاص الذين يوجدون في وضعيات اجتماعية صعبة.
وأكد المشاركون أن الذكاء الاصطناعي يتيح إمكانات مهمة لتحسين تحديد الحاجيات الاجتماعية، وتيسير الحصول على المعلومات والخدمات، وتطوير أدوات اشتغال المهنيين العاملين في المجال الاجتماعي، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل رهينة بتوفير شروط الولوج العادل إلى التكنولوجيا، ومراعاة أوضاع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في استعمال المنصات الرقمية أو لا يتوفرون على التجهيزات والمهارات الضرورية لذلك.
وفي هذا السياق، أبرز أنطونيو لوبيز بيلايز، المدير التنفيذي للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي والأستاذ بجامعة التعليم عن بعد بإسبانيا، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة أمام تحسين الخدمات الاجتماعية، من خلال المساعدة على تحديد الحاجيات بدقة أكبر، وتسهيل الوصول إلى المعلومات، وتعزيز قدرات العاملين في هذا المجال على الاستجابة لانتظارات المستفيدين.
وأوضح أن التحول الرقمي يمكن أن يساهم في تطوير خدمات اجتماعية أكثر استجابة وملاءمة لاحتياجات المواطنين، شريطة عدم إغفال الصعوبات التي تعترض الأشخاص الذين لا يتوفرون على الوسائل التقنية أو المهارات الرقمية اللازمة، أو الذين يحتاجون إلى مواكبة خاصة للاستفادة من الخدمات المتاحة عبر الإنترنت.
وشدد المسؤول ذاته على أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال الاجتماعي يستوجب إرساء ضمانات واضحة تضمن الشفافية، وتحمي المعطيات الشخصية، وتحد من مخاطر التمييز، حتى لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتوسيع فرص الاستفادة من الخدمات إلى عامل جديد يعمق الفوارق القائمة بين فئات المجتمع.
وتطرح هذه التحديات، بحسب النقاشات التي شهدتها الجلسة، ضرورة تحقيق التوازن بين الاستفادة من الإمكانات التي توفرها الأدوات الرقمية وبين ضمان حقوق المستفيدين، خصوصا الفئات التي تحتاج إلى حماية ومواكبة مستمرتين، بما يضمن عدم إقصائها بسبب محدودية إمكاناتها أو صعوبة تعاملها مع الأنظمة الرقمية.
من جانبه، أكد الخبير في مجال التحول الرقمي أمين منير العلوي أهمية تطوير مبادرات وطنية للإدماج الرقمي تنطلق من الحاجيات الفعلية للسكان، وتأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الاجتماعية والمجالية بين المناطق، معتبرا أن نجاح رقمنة الخدمات العمومية والاجتماعية لا يرتبط فقط بتوفير المنصات الإلكترونية، بل يتطلب أيضا ضمان الولوج المنصف إلى البنيات التحتية الرقمية، وتطوير المهارات اللازمة لاستخدامها.
وأوضح أن تعميم الخدمات الرقمية ينبغي أن يواكبه توفير آليات للدعم والتوجيه لفائدة الأشخاص الأقل تمكنا من استعمال التكنولوجيا، إلى جانب العمل على تصميم منصات سهلة الاستخدام، تراعي تنوع الخلفيات التعليمية والاجتماعية للمستفيدين، وتتيح لهم الوصول إلى المعلومات والخدمات دون تعقيدات تقنية قد تحول دون استفادتهم منها.
وأضاف أن الإدماج الرقمي أصبح عنصرا أساسيا في تعزيز الإدماج الاجتماعي وضمان المساواة في الولوج إلى الحقوق، الأمر الذي يستدعي تنسيقا مستمرا بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص ومكونات المجتمع المدني، من أجل تطوير حلول رقمية تستجيب للاحتياجات الحقيقية للمواطنين وتساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وفي السياق ذاته، سلطت غلوريا كيروان، عضو لجنة التسيير بالمجلس العالمي للعمل الاجتماعي والأستاذة المحاضرة بكلية الجراحين في إيرلندا، الضوء على أهمية وضع المستفيدين في صلب تصميم الخدمات الاجتماعية والصحية، من خلال إشراكهم في القرارات المرتبطة بمسارات المواكبة التي يستفيدون منها، ومراعاة خصوصية أوضاعهم واحتياجاتهم الفردية.
وأبرزت أن تكنولوجيات المعلومات والاتصال يمكن أن تسهم في تسهيل الولوج إلى الخدمات وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يساعد على تطوير أساليب التدخل الاجتماعي ورفع مستوى الاستجابة لحاجيات السكان، غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطا بمدى قدرة الخدمات المقدمة على مراعاة الاختلافات بين المستفيدين وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت كيروان، في المقابل، أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا لا ينبغي أن يأتي على حساب العلاقة الإنسانية التي تشكل عنصرا أساسيا في العمل الاجتماعي، مشددة على أن الأدوات الرقمية يجب أن تظل مكملة لعمل المهنيين، لا بديلا عن الإصغاء والتواصل المباشر والمواكبة الشخصية للأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم.
ودعت إلى الإبقاء على بدائل عملية تتيح الاستفادة من الخدمات للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في استخدام المنصات الرقمية، بما يضمن عدم حرمانهم من حقوقهم أو تقليص فرص حصولهم على الرعاية والمواكبة بسبب محدودية قدراتهم على التعامل مع التكنولوجيا.
وتأتي هذه المناقشات في وقت تتزايد فيه أهمية التحول الرقمي في تدبير الخدمات العمومية والاجتماعية، حيث أصبح تطوير الحلول التكنولوجية مرتبطا بضرورة ضمان العدالة في الولوج إلى الخدمات، وحماية المعطيات الشخصية، وتعزيز ثقة المواطنين في الأنظمة الرقمية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمعطياتهم الاجتماعية والصحية.
وتتواصل أشغال الندوة الدولية المنظمة بمراكش إلى غاية 24 أكتوبر الجاري، تحت شعار “من الإقصاء إلى الانتماء: تقوية الممارسات الدامجة لتعزيز الروابط الاجتماعية”، بهدف بلورة مقاربات عملية ومبتكرة وقابلة للتعميم، من شأنها تقوية الروابط المجتمعية والحد من الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية.
ومن المرتقب أن تتوج هذه التظاهرة باعتماد “نداء مراكش” للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي، الذي يروم تحديد معالم ظاهرة العزلة الاجتماعية واستعراض الممارسات الدامجة الكفيلة بتعزيز الروابط الاجتماعية والمجتمعية، في ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلدان الأعضاء في المجلس.
ويعكس هذا النقاش توجها متزايدا نحو ربط الابتكار التكنولوجي بأهداف العدالة الاجتماعية، من خلال تطوير خدمات رقمية أكثر شمولية، وضمان استفادة الفئات الهشة منها، مع الحفاظ على دور العنصر البشري في المواكبة والدعم، باعتباره جزءا أساسيا من أي سياسة اجتماعية تسعى إلى تعزيز الإدماج والحد من الإقصاء.



