
البرلمان الإسباني يعيد توظيف الإرث الاستعماري في ملف الصحراء المغربية عبر بوابة الجنسية
متابعة خالد وجنا - Heure Du Journal
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز عنوانها القانوني، أقدم البرلمان الإسباني، أمس الخميس، على اتخاذ قرار يقضي بتمكين الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء من الحصول على الجنسية الإسبانية، في تطور يعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً حول حدود توظيف الإرث الاستعماري الإسباني في الصحراء المغربية، وحول ما إذا كانت مدريد بصدد تحويل مرحلة تاريخية انتهت منذ عقود إلى ورقة جديدة في إدارة علاقتها بالمغرب.
فالقرار، وإن قُدم في إطار قانوني وحقوقي مرتبط بالجنسية، لا يمكن عزله عن السياق السياسي الذي تعرفه العلاقات المغربية الإسبانية، ولا عن حساسية قضية الصحراء المغربية بالنسبة إلى الرباط. وبعد ما يقارب نصف قرن على انتهاء الإدارة الإسبانية للإقليم، تعود مدريد اليوم إلى استحضار تلك المرحلة من خلال التشريع، بما يعيد إنتاج رابط قانوني مع أشخاص ينحدرون من منطقة كانت خاضعة للاستعمار الإسباني، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول الأهداف السياسية بعيدة المدى لهذه الخطوة.
ولا يتعلق الأمر، وفق هذه القراءة، بمجرد معالجة لوضعية إدارية لأشخاص ولدوا خلال مرحلة تاريخية معينة، وإنما بإعادة فتح نافذة على الإرث الاستعماري الإسباني في الصحراء المغربية، في وقت أصبحت فيه قضية الصحراء تشكل محوراً أساسياً في العلاقات المغربية الإسبانية. فكلما عاد التاريخ الاستعماري إلى واجهة التشريع الإسباني، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الأوراق التي تريد بعض الجهات السياسية في مدريد الاحتفاظ بها أو إعادة استخدامها مستقبلاً.
ومن المؤكد أن القرار لا يغير بشكل مباشر الموقف الرسمي للحكومة الإسبانية من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، كما أنه لا يشكل اعترافاً قانونياً جديداً بجبهة البوليساريو. غير أن خطورته السياسية، من منظور مغربي، تكمن في أنه يمنح بعض التيارات السياسية الإسبانية وسيلة جديدة لإعادة إدخال قضية الصحراء إلى النقاش الداخلي الإسباني من بوابة الجنسية والحقوق والذاكرة الاستعمارية.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في القرار: فإسبانيا التي أنهت وجودها الاستعماري في الصحراء منذ عقود، تعود اليوم إلى تلك المرحلة نفسها لتأسيس امتدادات قانونية جديدة. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه الخطوة مع منطق احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، خصوصاً أن المغرب يعتبر الصحراء جزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني، ويطرح مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل السياسي الواقعي والوحيد القابل للتطبيق في إطار السيادة المغربية.
ويرى الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن توظيف القوانين المدنية والحقوقية في العلاقات الدولية يمكن أن يتحول إلى وسيلة للضغط والمناورة السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات ذات خلفيات تاريخية وجيوسياسية. ومن هذا المنظور، فإن منح الجنسية لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره إجراءً قانونياً، بل باعتباره ورقة يمكن أن تضيفها مدريد إلى أدواتها السياسية في علاقتها مع الرباط.
وتزداد دلالة هذه الخطوة بالنظر إلى التحول الكبير الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة. فالمغرب أصبح شريكاً أساسياً لإسبانيا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتجارة والاستثمار والطاقة، كما أن موقعه الجغرافي يجعله طرفاً لا يمكن لمدريد تجاهله في القضايا المرتبطة بالبحر المتوسط وغرب أوروبا وإفريقيا.
غير أن هذه الشراكة الاستراتيجية لا تعني غياب محاولات الضغط أو المناورة السياسية. وعلى العكس، فإن تعدد المصالح بين البلدين يجعل كل ورقة إضافية ذات قيمة بالنسبة إلى أي طرف يريد تحسين موقعه التفاوضي. ومن هنا يمكن فهم إعادة استحضار الإرث الاستعماري الإسباني في الصحراء باعتباره محاولة لخلق مسار موازٍ، لا يواجه المغرب بشكل مباشر، لكنه يسمح بإبقاء القضية حاضرة داخل المؤسسات الإسبانية.
كما أن القرار قد يوفر أرضية جديدة لبعض الأصوات السياسية الإسبانية التي تحاول إعادة تقديم الصحراء المغربية من زوايا مختلفة عن الموقف الرسمي الحالي لمدريد. فبدل طرح القضية حصراً من منظور سياسي مباشر، يمكن مستقبلاً ربطها بملفات الجنسية والذاكرة الاستعمارية والحقوق المدنية، بما يسمح بتوسيع دائرة النقاش داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
غير أن هذا المسار يصطدم بحقيقة أساسية، وهي أن مرحلة الإدارة الاستعمارية الإسبانية للصحراء انتهت، وأن استحضارها اليوم لا يمنح إسبانيا حقاً سيادياً على الإقليم، ولا يمكن أن ينتج وضعاً قانونياً يتجاوز سيادة المغرب على أراضيه. كما أن تحويل الإرث الاستعماري إلى أداة سياسية جديدة لا يلغي التطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، ولا التحول المتزايد في المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الواقعي لتسوية النزاع.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الخطر الحقيقي في مثل هذه الخطوات لا يكمن في تأثيرها القانوني المباشر، وإنما في إمكانية استخدامها تدريجياً لبناء سردية سياسية جديدة داخل إسبانيا وأوروبا. فحين يتم ربط الصحراء بالجنسية الإسبانية، ثم بالذاكرة الاستعمارية، ثم بالحقوق التاريخية، فإن النقاش قد ينتقل من سؤال تصفية الاستعمار إلى محاولة إعادة إنتاج روابط استعمارية قديمة في ثوب قانوني حديث.
ومن هذه الزاوية، فإن قرار البرلمان الإسباني يستحق قراءة سياسية دقيقة، خصوصاً أن المغرب لم يعد يتعامل مع قضية الصحراء بمنطق رد الفعل فقط، وإنما بات يعتمد على دينامية دبلوماسية واقتصادية وأمنية قوية جعلت مقترح الحكم الذاتي يحظى بدعم دولي متزايد. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة تدوير الإرث الاستعماري لن تكون قادرة، بمفردها، على تغيير الواقع السياسي الجديد الذي أصبحت عليه القضية.
كما أن مدريد، مهما اتسعت هوامش المناورة أمامها، تدرك أن مصالحها الاستراتيجية مع الرباط أكبر بكثير من أن تُختزل في خلاف حول ملف واحد. فالتعاون الأمني، ومحاربة الهجرة غير النظامية، والعلاقات الاقتصادية، والتبادل التجاري، وموقع المغرب كبوابة نحو إفريقيا، كلها عوامل تجعل الحفاظ على علاقات مستقرة مع الرباط مصلحة إسبانية مباشرة.
وعليه، فإن القرار البرلماني الإسباني يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة توظيف ورقة تاريخية لم تكن مدريد قد أغلقتها بشكل نهائي في مخيالها السياسي. فالجنسية تبدو عنواناً قانونياً للقرار، لكن خلف هذا العنوان تبرز أسئلة أعمق حول استثمار الذاكرة الاستعمارية في السياسة الخارجية، وحول رغبة بعض الأطراف الإسبانية في الاحتفاظ بأدوات تمكنها من التأثير في ملف الصحراء المغربية.
وفي النهاية، فإن الصحراء المغربية ليست مجرد إرث تاريخي يمكن إعادة تشكيله بقوانين تصدر من برلمانات أجنبية، كما أن انتهاء الإدارة الإسبانية للإقليم لا يمكن أن يتحول بعد عقود إلى مبرر لإعادة إنتاج نفوذ سياسي فوق التراب المغربي. وإذا كانت إسبانيا تريد فعلاً بناء شراكة استراتيجية مستقرة مع المغرب، فإن احترام سيادته ووحدته الترابية يظل المدخل الأكثر وضوحاً لترسيخ تلك الشراكة، بدل إعادة تدوير إرث استعماري قديم وتحويله إلى ورقة سياسية جديدة.
ويبقى السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه بعد قرار البرلمان الإسباني: هل يتعلق الأمر فعلاً بتسوية وضع قانوني مرتبط بمرحلة تاريخية، أم أن مدريد بدأت تبحث عن بوابة جديدة لإعادة الحضور في ملف الصحراء المغربية؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالكشف عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه الخطوة، وما إذا كانت ستظل محصورة في إطار الجنسية أم ستتحول إلى ورقة سياسية أوسع في العلاقة بين الرباط ومدريد.



