
السغروشني : المغرب يراهن على السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي لتعزيز التنمية الاقتصادية بحلول 2030
و م ع - Heure du journal
أكدت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، أن المغرب يتجه نحو تعزيز سيادته الرقمية وتسريع وتيرة تحوله التكنولوجي، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية الرقمية، وتطوير القدرات الوطنية في مجال الحوسبة، والتحكم في البيانات، وتشجيع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، باعتبار هذه المجالات ركائز استراتيجية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز مكانة المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأبرزت السغروشني، خلال محاضرة ألقتها اليوم الخميس بمدينة طنجة، ضمن الدورة الثامنة لملتقى جمعية مستعملي الأنظمة المعلوماتية بالمغرب (AUSIM)، أن السيادة الرقمية أصبحت من القضايا الاستراتيجية التي يتعين على المغرب التعامل معها برؤية استباقية، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة والتنافس الدولي المتزايد على امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي والتحكم في موارده الأساسية.
وشددت الوزيرة، في مداخلتها التي حملت عنوان «الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب: سرعة معركة فتح السيادة»، على أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار تقني أو وسيلة لتحديث الخدمات الإدارية، بل أصبح شرطاً أساسياً لتطوير مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى تأثير التكنولوجيا في الإنتاجية والتنافسية وجودة الخدمات العمومية وقدرة الدول على مواكبة التحولات العالمية.
واعتبرت المسؤولة الحكومية أن السيادة الرقمية تمثل شكلاً من «السيادة غير المرئية»، بالنظر إلى ارتباطها ببنيات تحتية وأنظمة تكنولوجية لا تظهر آثارها دائماً بصورة مباشرة، لكنها تؤثر بشكل حاسم في استقلالية الدول وقدرتها على اتخاذ قراراتها وتطوير اقتصادها. وأوضحت أن امتلاك القدرة على التحكم في التكنولوجيا الرقمية ومختلف طبقاتها، بدءاً من البنيات التحتية وصولاً إلى البيانات وأنظمة الحوسبة، يشكل مدخلاً أساسياً لبناء دولة رقمية قادرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية.
وفي هذا السياق، استعرضت السغروشني التوجهات التي تعتمدها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة من أجل تطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي، تقوم على الابتكار المحلي والاستعمال المسؤول للتكنولوجيا، مع الحرص على توسيع نطاق الاستفادة منها لتشمل مختلف مكونات المجتمع والاقتصاد الوطني.
وأكدت أن طموح المغرب يتمثل في تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي «مقتصد وشامل ومسؤول»، يُصمم داخل المملكة ويستجيب لحاجياتها الفعلية، مع الانفتاح على التعاون الدولي والأسواق الخارجية، بما يسمح بتعزيز القدرات الوطنية وتطوير حلول تكنولوجية قادرة على خلق قيمة مضافة للاقتصاد المغربي.
ويرتبط هذا التوجه بخارطة الطريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030»، التي تستهدف المساهمة بنحو 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام بحلول سنة 2030، في إطار استراتيجية ترمي إلى جعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية الاقتصادية، وأداة لتحسين أداء المؤسسات والمقاولات، ووسيلة لتعزيز تنافسية المملكة على المستوى الإقليمي والدولي.
وأوضحت الوزيرة أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل البنيات التحتية السيادية، وتطوير قدرات الحوسبة الوطنية، وتحسين تدبير البيانات واستثمارها، وتعزيز المنصات العمومية الرقمية، إلى جانب استكمال الإطار القانوني والمؤسساتي، وتشجيع البحث والابتكار، وتكوين الكفاءات، وتوسيع مجالات التعاون الدولي.
وشددت السغروشني على أن عامل السرعة أصبح حاسماً في هذا المجال، في ظل التركيز المتزايد للاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي واحتدام المنافسة بين الدول والشركات الكبرى للسيطرة على قدرات الحوسبة والتكنولوجيات المتقدمة. وأكدت أن تأخر الدول في بناء قدراتها الرقمية قد يحد من فرصها في الاستفادة من التحولات الجارية، في حين يمكن للتحرك السريع والمدروس أن يفتح آفاقاً جديدة أمام المغرب والقارة الإفريقية.
وربطت الوزيرة نجاح هذا التوجه بتوفير أربعة مقومات أساسية، تتمثل في الطاقة، والحوسبة، والبيانات، والكفاءات البشرية، باعتبارها عناصر مترابطة لا يمكن تطوير منظومة وطنية قوية للذكاء الاصطناعي دون توفيرها بشكل متوازن ومستدام.
وفي ما يتعلق بالأولويات المستقبلية، حددت المسؤولة الحكومية خمسة أوراش رئيسية يتعين العمل عليها لتسريع الانتقال نحو ذكاء اصطناعي مطور محلياً. ويتعلق الأمر بتشغيل قدرات الحوسبة السيادية وتسهيل ولوج الباحثين والشركات الناشئة إليها، واستكمال الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لهذا المجال، وتطوير نماذج للذكاء الاصطناعي قادرة على التعامل مع اللغة العربية والدارجة المغربية والأمازيغية، قبل توسيع نطاق العمل ليشمل لغات إفريقية أخرى.
وتشمل هذه الأولويات أيضاً تكوين وتأهيل الكفاءات الوطنية على نطاق واسع، بما يضمن توفر الموارد البشرية القادرة على تطوير الحلول الرقمية وتدبيرها، فضلاً عن الانتقال التدريجي من الخدمات الرقمية التقليدية إلى خدمات تعتمد على ما يعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي داخل المرافق العمومية، بما يتيح تحسين معالجة الطلبات وتبسيط المساطر الإدارية وتطوير جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات.
وأكدت السغروشني أن شعار «الذكاء الاصطناعي صنع في المغرب» يعكس توجهاً يرمي إلى تجاوز مرحلة استهلاك الحلول التكنولوجية المطورة في الخارج، نحو المشاركة الفعلية في تصميمها وإنتاجها وتطويرها، مشددة على ضرورة التحرك دون انتظار، واستثمار الإمكانات المتاحة لبناء قدرات وطنية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية.
وتكتسي هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل التوسع المتواصل لاستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية، من بينها الصناعة والخدمات والنقل والصحة والتعليم والإدارة، حيث أصبحت هذه التكنولوجيا توفر إمكانات واسعة لتحسين الإنتاجية وتطوير أساليب العمل، مقابل تحديات مرتبطة بحماية البيانات، والأمن السيبراني، والحكامة، وتأهيل الموارد البشرية.
ومن شأن تطوير حلول وطنية للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تقليص الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، وتعزيز قدرة المقاولات المغربية على الابتكار، وفتح فرص جديدة أمام الشركات الناشئة والباحثين والمهندسين، شريطة توفير بيئة ملائمة للاستثمار والبحث العلمي، وضمان استفادة مختلف الفئات والقطاعات من ثمار التحول الرقمي.
من جهته، أوضح رئيس جمعية مستعملي الأنظمة المعلوماتية بالمغرب، محمد سعد، أن اختيار مدينة طنجة لاحتضان الدورة الثامنة للملتقى يندرج ضمن توجه يروم مواكبة انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب واستكشاف الإمكانات إلى مرحلة الإنجاز والتصنيع وإنتاج حلول عملية قابلة للاستخدام داخل المقاولات والمؤسسات.
وأشار إلى أن طنجة تتوفر على مؤهلات تجعلها فضاء مناسباً لمناقشة هذا التحول، بالنظر إلى بنياتها التحتية المينائية والصناعية، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، فضلاً عن انفتاحها على أسواق وثقافات متعددة.
واعتبر سعد أن المدينة تجسد نقطة التقاء بين مجالات اقتصادية وجغرافية مختلفة، بما يعكس طموح المغرب إلى تعزيز حضوره التكنولوجي وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة حقيقية للتنمية والابتكار على المستوى الإفريقي.
كما استحضر رئيس الجمعية المسار الذي قطعته الملتقيات السابقة، والتي تناولت مجموعة من المواضيع المرتبطة بالتحول الرقمي، من بينها البيانات وسلسلة الكتل والتعلم الآلي وتحديث الأنظمة المعلوماتية، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي فرض نفسه خلال الدورة الحالية موضوعاً مركزياً بالنظر إلى الاهتمام المتزايد الذي توليه له المقاولات المغربية.
وأوضح أن عدداً متزايداً من المؤسسات الاقتصادية أصبح يتساءل عن كيفية إدماج هذه التكنولوجيا في أنشطته اليومية، وتقييم جدواها، والاستفادة من إمكاناتها في تطوير الأداء وتحسين الإنتاجية وتعزيز النمو. ولهذا، تجمع هذه الدورة مسؤولين وقادة ومهنيين لتبادل التجارب واستعراض نماذج عملية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في صلب الأنشطة الاقتصادية.
وينظم ملتقى جمعية مستعملي الأنظمة المعلوماتية بالمغرب، على مدى ثلاثة أيام، تحت شعار «AIMPOWERING: بالابتكار والذكاء والسيادة»، وذلك تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمشاركة مهنيين ومسؤولين وخبراء في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي.
ويتضمن برنامج هذه الدورة جلسات عامة ومداخلات رئيسية وورشات عمل موضوعاتية، إلى جانب لقاءات لتبادل الخبرات والتجارب حول مجموعة من القضايا، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي وخلق القيمة وحكامة البيانات والسيادة التكنولوجية.
وتعكس النقاشات التي يحتضنها الملتقى التحول الذي يشهده المجال الرقمي بالمغرب، حيث لم يعد الرهان مقتصراً على رقمنة الخدمات أو اعتماد أدوات تكنولوجية جاهزة، بل أصبح مرتبطاً بقدرة المملكة على تطوير حلولها الخاصة، وتأمين مواردها الرقمية، وتأهيل كفاءاتها، وضمان موقع لها في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.
ويظل تحقيق الأهداف المعلنة في أفق سنة 2030 رهيناً بمدى تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى مشاريع ملموسة، قادرة على توفير البنيات التحتية اللازمة، وتسهيل وصول المقاولات والباحثين إلى قدرات الحوسبة، وتحفيز الاستثمار في الابتكار، وتطوير نماذج لغوية تستجيب للخصوصيات الوطنية والإفريقية. وهي رهانات تجعل من السيادة الرقمية أحد الملفات الأساسية في مسار تحديث الاقتصاد المغربي وتعزيز استقلاليته التكنولوجية.



