
جددت مداخلات أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء 7 أكتوبر 2026 بنيويورك، تسليط الضوء على وضع الأطفال والشباب داخل مخيمات تندوف، مع توجيه انتقادات حادة لما وصفه متدخلون بتجنيد القاصرين وإخضاعهم للتدريب العسكري والتلقين الإيديولوجي، محذرين من تداعيات غياب التعليم والفرص الاقتصادية وارتفاع مخاطر الاستغلال والتطرف.
وخلال أشغال اللجنة الرابعة، أثارت شيري إرب، عن منظمة “Oasis Ministries”، قضية استقطاب الأطفال وتدريبهم عسكريا داخل مخيمات تندوف، مشيرة إلى أن هذه المسألة سبق أن أثيرت في مناسبات متعددة داخل الهيئات الأممية ومن طرف منظمات غير حكومية دولية. وتأتي هذه المداخلات في سياق نقاش متواصل داخل الأمم المتحدة بشأن الظروف الإنسانية والأمنية والاجتماعية التي يعيشها سكان مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر.
وأشارت إرب إلى تحقيق نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في أبريل 2025، وقالت إنه كشف، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، عن توقيف مئات الأشخاص، من بينهم عناصر من جبهة البوليساريو وأطفال مجندون، مضيفة أن عددا من الموقوفين قدموا من مخيمات تندوف. واعتبرت أن هذه المعطيات، بحسب طرحها أمام اللجنة، تعكس المخاطر التي يمكن أن تنتج عن سنوات من التعبئة والتطرف في بيئة تفتقر إلى آفاق واضحة بالنسبة للشباب.
كما استحضرت المتدخلة حالة عدنان أبو وليد الصحراوي، الذي قدمته باعتباره نموذجا لمسار يبدأ، وفق توصيفها، بالتعبئة العسكرية والإيديولوجية قبل أن ينتهي بالانخراط في تنظيمات إرهابية. واعتبرت أن هذا المسار يجسد، من وجهة نظرها، المخاطر التي يمكن أن تنتج عن إخضاع الأطفال للتدريب العسكري والتلقين في سن مبكرة.
وفي السياق ذاته، تحدثت إرب عن تدهور ظروف العيش داخل المخيمات، وربطت ذلك بما وصفته بانعدام الأمن واستفحال الجريمة وضعف الفرص الاقتصادية، معتبرة أن هذه العوامل تضغط بشكل أكبر على فئة الشباب، التي تواجه صعوبات في بناء مستقبل مهني وتعليمي مستقر.
من جانبها، أكدت جويس فلين، عن منظمة “Safety and Security Instructional Services”، أن الأطفال الصحراويين يعيشون منذ سنوات في بيئة تتسم بالعزلة وتقييد حرية التنقل، إضافة إلى غموض الآفاق المستقبلية. وأشارت، استنادا إلى ما وصفته بتحليلات لمنظمات إنسانية مستقلة، إلى وجود أوجه قصور في المنظومة التعليمية بالمخيمات، الأمر الذي ينعكس، بحسبها، على فرص الشباب في متابعة تعليم جيد والاندماج في مسارات مهنية مستقرة.
وشددت فلين على أن توفير ظروف ملائمة للتعليم والتنمية والاستقرار، بحسب ما طرحته أمام اللجنة، يظل صعبا في ظل استمرار هيمنة جماعة مسلحة على المخيمات، داعية إلى الاهتمام بمستقبل الأطفال باعتبارهم الفئة الأكثر تأثرا بظروف النزاع الممتد.
بدورها، أثارت نانسي هوف، عن منظمة “Teach the Children International”، مخاوف بشأن ما وصفته بالتلقين الإيديولوجي للأطفال والشباب في مخيمات تندوف، مشيرة إلى شهادات تتحدث عن إرسال أطفال إلى الخارج وتلقيهم تكوينات ذات طابع عسكري.
وقالت هوف إن الحياة داخل المخيمات تخضع، بحسب شهادات عرضتها أمام اللجنة، لما وصفته بـ”رقابة إيديولوجية صارمة”، مضيفة أن بعض العائلات تحدثت عن أطفال جرى نقلهم إلى كوبا تحت غطاء التعليم، قبل أن يخضعوا، وفق رواياتها، لمزيج من الدراسة والعمل في الحقول والتكوين العسكري، بما في ذلك التدريب على التعامل مع المتفجرات.
كما تحدثت عن قمع المعارضة داخل المخيمات، وعن تلقين أجيال من الأطفال خطابا عدائيا تجاه المغرب، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات يهدد بتحويل قضية الأطفال إلى عامل إضافي في إعادة إنتاج التوتر والتطرف بدل توفير بيئة تسمح لهم ببناء مستقبل مختلف.
وأعادت المتدخلة كذلك طرح إشكالية غياب إحصاء شامل ودقيق لسكان مخيمات تندوف، معتبرة أن عدم توفر معطيات سكانية موثوقة يعرقل التخطيط للمساعدات الإنسانية ويزيد من صعوبة تقييم الاحتياجات الحقيقية للسكان، ولا سيما الأطفال والشباب.
وتأتي هذه المداخلات امتدادا لنقاش أممي متكرر حول أوضاع مخيمات تندوف، إذ سبق لمتدخلين أمام اللجنة الرابعة خلال السنوات الماضية أن أثاروا مسألة تجنيد الأطفال من طرف جبهة البوليساريو، فيما وثقت تغطيات الأمم المتحدة مداخلات طالبت بتعزيز الرقابة والمساءلة وتحسين ظروف السكان داخل المخيمات.
وكانت مسألة تجنيد الأطفال وعسكرتهم قد عادت أيضا إلى الواجهة خلال مناقشات اللجنة الرابعة سنة 2025، حيث ندد متدخلون بما وصفوه بالتجنيد العسكري للأطفال والشباب في مخيمات تندوف، ودعوا إلى حماية القاصرين من الاستغلال والتطرف.
ويضع هذا النقاش المجتمع الدولي أمام تحدي حماية الأطفال من الاستغلال العسكري والإيديولوجي، وضمان حقهم في التعليم والحماية والرعاية، بعيدا عن حسابات النزاع السياسي. كما يعيد التأكيد على أهمية توفير معطيات دقيقة حول سكان المخيمات، بما يسمح بتوجيه المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، وقياس الأوضاع الاجتماعية والتعليمية والصحية بشكل أكثر دقة.
وتبقى قضية الأطفال في مخيمات تندوف من أكثر الملفات حساسية في هذا النزاع، بالنظر إلى ارتباطها بحقوق أساسية تتجاوز الاعتبارات السياسية، وفي مقدمتها الحق في التعليم والحماية من التجنيد والاستغلال، وهي ملفات تفرض، وفق المداخلات المقدمة أمام الأمم المتحدة، مزيدا من الاهتمام الدولي وآليات أكثر فعالية للرقابة والمساءلة.



