اعلان
اعلان
مقالات رأي

غياب اتفاق أمريكي–أوروبي بشأن خطة إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.. تباين المصالح وصعوبة الحل

غياب اتفاق أمريكي–أوروبي بشأن خطة إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.. تباين المصالح وصعوبة الحل

منذ أن اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا في فبراير 2022، والرهان الأكبر الذي يشغل الساحة الدولية يتمثل في إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية توقف نزيف الدم والدمار، وتعيد شيئاً من الاستقرار إلى أوروبا والعالم. لكن بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على بداية هذا الصراع، يظل الأفق مسدوداً، ليس فقط بسبب تعنّت موسكو وإصرارها على فرض وقائع جديدة على الأرض، ولا بسبب رفض كييف التنازل عن سيادتها وحقوقها الوطنية، بل أيضاً بسبب غياب اتفاق واضح وموحد بين الولايات المتحدة وأوروبا حول الكيفية التي يجب أن تنتهي بها هذه الحرب. هذا الغياب، الذي يبدو أحياناً وكأنه خلاف في التكتيك، هو في الحقيقة انعكاس لاختلافات عميقة في المصالح والأولويات بين ضفتي الأطلسي.

هل هناك اتفاق أمريكي أوروبي بشأن خطة إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟
هل هناك اتفاق أمريكي أوروبي بشأن خطة إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

فأوروبا، التي تعيش الصراع على حدودها وتشعر بتهديد مباشر من روسيا، تنظر إلى أي خطة سلام من زاوية أمنها القومي واستقرارها الداخلي. القادة الأوروبيون يعرفون أن استمرار الحرب أو انتهائها باتفاق هش من دون ضمانات قوية سيجعل القارة عرضة لابتزاز جديد من موسكو بعد سنوات قليلة. لذلك، جاءت المقترحات الأوروبية الأخيرة مركزة على فكرة تأسيس إطار أمني طويل المدى، يتضمن ما يشبه التحالف الطوعي لتقديم الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، وربما إنشاء قوة حفظ سلام أو منطقة عازلة تفصل بين روسيا والأراضي الأوكرانية. من وجهة نظر الأوروبيين، أي حل لا يتضمن ضمانات ملموسة ولا يحمي كييف من هجوم جديد في المستقبل، لن يكون إلا هدنة مؤقتة تخدم روسيا أكثر مما تخدم أوكرانيا.

اعلان

على الجانب الآخر، تنطلق واشنطن من حسابات مختلفة. الولايات المتحدة، التي وفرت الجزء الأكبر من الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا منذ بداية الحرب، بدأت تشعر بثقل الكلفة المالية والسياسية لهذا الانخراط الطويل. لذلك، لم يكن غريباً أن تطرح الإدارة الأمريكية مقترحات تقوم على وقف مؤقت لإطلاق النار، أو حتى تخفيف بعض العقوبات مقابل خطوات روسية محدودة، في محاولة لتخفيف التوتر وفتح الباب أمام مفاوضات جديدة. هذه المقاربة تعكس ما يمكن وصفه بالبراغماتية الأمريكية: الرغبة في تقليل الخسائر والضغط، حتى لو كان ذلك على حساب الوصول إلى تسوية نهائية وعادلة. فالمعركة بالنسبة لواشنطن لم تعد مرتبطة فقط بمصير أوكرانيا، بل بمسائل أخرى تتعلق بالانتخابات الداخلية، وملفات السياسة الخارجية في آسيا والشرق الأوسط، والحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات.

وسط هذا التباين، تجد كييف نفسها في موقع صعب للغاية. فهي من جهة تدرك أن استمرار الدعم الغربي شرط أساسي لصمودها في مواجهة روسيا، لكنها في الوقت نفسه ترفض أي مبادرات قد تعني تنازلاً عن سيادتها أو اعترافاً ضمنياً بالسيطرة الروسية على أراضٍ محتلة. الرئيس فولوديمير زيلينسكي عبّر غير ما مرة عن أن أي اتفاق لا يمر عبر أوكرانيا مرفوض، بل ذهب أبعد من ذلك حين أكد أن أوكرانيا لن تقبل أن تكون مجرد ورقة تفاوضية بين واشنطن وموسكو أو بين أمريكا وأوروبا. هذا الموقف يعكس مخاوف حقيقية: فأي سلام لا يمنح كييف ضمانات أمنية واضحة أو لا يضع إطاراً لاستعادة أراضيها، سيُنظر إليه داخلياً كخيانة لتضحيات الشعب الأوكراني، وخارجياً كانتصار ضمني لموسكو.

وفي غياب رؤية موحدة بين الولايات المتحدة وأوروبا، تبدو روسيا المستفيد الأول من الانقسامات الغربية. فموسكو تدرك أن أي تباين في المواقف بين العاصمتين الرئيسيتين الداعمتين لكييف يمنحها فرصة لشراء الوقت، وتعزيز مواقعها العسكرية، وربما دفع بعض الأطراف الغربية إلى القبول بتسوية أقل من طموحات أوكرانيا. هذه الإستراتيجية الروسية، المبنية على المراهنة على تعب الرأي العام الغربي من طول أمد الحرب وتكاليفها الاقتصادية، تجد اليوم أرضية خصبة، خصوصاً مع غياب مشروع سلام متكامل ومتفق عليه بين حلفاء كييف الرئيسيين.

النتيجة أن الحرب لا تزال تراوح مكانها بين مبادرات أمريكية مترددة ومشاريع أوروبية غير مكتملة، فيما يعيش الأوكرانيون يومياً مأساة الخسائر والدمار. وإذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه من السنوات الماضية، فهو أن غياب موقف موحد عبر الأطلسي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، وإلى زيادة التكاليف الإنسانية والاقتصادية على الجميع. فالحرب الروسية–الأوكرانية لم تعد مجرد نزاع حدودي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمستقبل النظام الدولي وقدرة الغرب على الدفاع عن مبادئه. ومن دون تنسيق جدي بين واشنطن وبروكسل، لن يكون ممكناً التوصل إلى حل مستدام، بل ستظل المنطقة أسيرة مبادرات مؤقتة تفتقر إلى القوة اللازمة لتغيير مسار الأحداث.

إن السؤال الجوهري اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كان الغرب قادراً على إنهاء هذه الحرب، بل بما إذا كان قادراً على الاتفاق أولاً على الكيفية التي يريد أن يُنهيها بها. ذلك أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد من خطط متناقضة ومصالح متنافرة، بل من رؤية مشتركة توازن بين مصالح أوروبا الأمنية، والبراغماتية الأمريكية، وحق أوكرانيا في السيادة والوجود. وإلى أن يتحقق هذا الاتفاق، سيبقى الصراع مفتوحاً، وستبقى أوكرانيا ساحة اختبار لإرادة الغرب ووحدته.

اعلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى