
المغرب والولايات المتحدة يعززان التعاون في البحث والابتكار الزراعي لمواجهة التغيرات المناخية
و م ع - Heure du journal
يتجه المغرب والولايات المتحدة الأمريكية نحو تعزيز تعاونهما في مجال البحث والابتكار الزراعي، من خلال تطوير شراكات علمية وتقنية تستهدف تحسين الإنتاج الفلاحي، وتطوير أصناف نباتية وحيوانية أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، إلى جانب تشجيع اعتماد الممارسات الزراعية المستدامة. وفي هذا الإطار، احتضنت العاصمة الرباط، يوم الجمعة الماضي، مباحثات بين مديرة المعهد الوطني للبحث الزراعي، لمياء الغوتي، ووفد عن الرابطة الوطنية لإدارات الفلاحة الأمريكية، خصصت لاستكشاف آفاق جديدة للتعاون وتحديد الأولويات المشتركة بين الجانبين.
وجاءت هذه المباحثات بمناسبة زيارة الوفد الأمريكي إلى مقر المعهد الوطني للبحث الزراعي، في سياق دينامية التقارب المؤسساتي والعلمي التي تجمع الطرفين منذ سنة 2024، والتي شهدت تنظيم بعثات وتبادلات متعددة بهدف تحديد مجالات التكامل العلمي والتقني، وبحث إمكانيات إطلاق مشاريع مشتركة تستجيب للتحديات التي تواجه القطاع الفلاحي في البلدين.
وشكل اللقاء فرصة لتبادل وجهات النظر بشأن مجموعة من القضايا الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل الزراعة، خصوصا في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية، وتزايد الحاجة إلى ترشيد استعمال الموارد الطبيعية، وتحسين مردودية المحاصيل الزراعية، وتعزيز قدرة الأنظمة الفلاحية على مواجهة الجفاف والتقلبات المناخية.
وتصدرت الفلاحة المحافظة والتحسين الوراثي للمحاصيل الزراعية وقطيع الأبقار قائمة المجالات المطروحة للتعاون، إلى جانب تطوير حلول علمية وتقنية تتلاءم مع الخصائص المناخية والبيئية للمغرب، بما يساهم في دعم استدامة الإنتاج الفلاحي وتعزيز قدرة الفلاحين على التكيف مع الظروف المتغيرة.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أوضحت مفوضة إدارة الموارد الزراعية بولاية ماساتشوستس الأمريكية، آشلي راندل، أن زيارة المعهد الوطني للبحث الزراعي تروم التعرف على أولويات البحث العلمي التي يشتغل عليها المعهد، واستكشاف فرص التعاون مع الرابطة الوطنية لإدارات الفلاحة الأمريكية، التي تضم الإدارات المكلفة بالزراعة في الولايات الأمريكية الخمسين وأربعة أقاليم.
وأبرزت راندل أن النقاشات ركزت على عدد من الأولويات المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة، من بينها التكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتطوير تقنيات الفلاحة المحافظة، وتحسين صحة التربة، فضلا عن البحث في الجينات الحيوانية والتحسين الوراثي للثروة الحيوانية.
وأكدت المسؤولة الأمريكية أهمية هذه المباحثات في تحديد مجالات عملية للتعاون من شأنها دعم الاقتصاد الفلاحي في البلدين، مشيرة إلى أن تبادل الخبرات والمعارف العلمية يمكن أن يساهم في تطوير حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه المزارعين والمنتجين الزراعيين، سواء في ما يتعلق بتدبير الموارد الطبيعية أو تحسين جودة الإنتاج ومردوديته.
من جانبها، أوضحت مديرة المعهد الوطني للبحث الزراعي، لمياء الغوتي، أن المباحثات همت محورين أساسيين يحظيان بالأولوية في برنامج التعاون المرتقب، يتعلق الأول بالفلاحة المحافظة، فيما يرتبط الثاني بتقنية التحرير الجينومي، التي تتيح إمكانيات متقدمة لتسريع تطوير أصناف نباتية جديدة وتحسين خصائصها الوراثية بما يستجيب للاحتياجات الفلاحية.
ويكتسي تطوير الفلاحة المحافظة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه وتدهور التربة وتوالي سنوات الجفاف. ويقوم هذا التوجه على اعتماد ممارسات زراعية تهدف إلى المحافظة على خصوبة التربة، والحد من تدهورها، وتحسين تدبير الموارد المائية، مع تعزيز استدامة الأنظمة الزراعية على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية البحث العلمي في تطوير تقنيات عملية قادرة على تشجيع الفلاحين على تبني هذه الممارسات، من خلال توفير حلول تتلاءم مع طبيعة الأراضي والظروف المناخية المختلفة، مع مراعاة التكاليف الاقتصادية وإمكانيات التطبيق على مستوى الضيعات الفلاحية.
أما التحرير الجينومي، فيمثل أحد المجالات العلمية التي يعول عليها لتسريع تطوير أصناف نباتية بخصائص محسنة، من خلال إدخال تعديلات دقيقة على المادة الوراثية للكائنات الحية. ويمكن أن تساهم هذه التقنيات، في إطار الضوابط العلمية والتنظيمية المعمول بها، في تطوير محاصيل أكثر قدرة على تحمل الإجهاد المائي والحراري، وتحسين مقاومتها لبعض الأمراض، فضلا عن تكييفها مع الظروف البيئية المحلية.
ويكتسب هذا المجال أهمية بالنسبة للبحث الزراعي بالمغرب، بالنظر إلى الحاجة إلى أصناف تتلاءم مع التحولات المناخية وتستجيب لمتطلبات الإنتاج الفلاحي الوطني. غير أن الاستفادة من هذه التقنيات تظل مرتبطة بتعزيز البحث والتجارب العلمية وتقييم النتائج، إلى جانب احترام الأطر التنظيمية ذات الصلة.
وشملت المباحثات أيضا مجال التحسين الوراثي للأبقار، حيث جرى بحث فرص التعاون لتطوير سلالات تتكيف مع الظروف المناخية المغربية، مع الاستفادة من الخصائص الوراثية للسلالات المحلية وقدرتها على التأقلم مع البيئات الصعبة. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين أداء القطيع الوطني وتعزيز قدرته على الصمود أمام التقلبات المناخية، مع مراعاة متطلبات الإنتاج واستدامة تربية الماشية.
ويأتي هذا التعاون في سياق أوسع من الشراكة المغربية الأمريكية في المجال الفلاحي، التي تشمل مبادرات للبحث العلمي وتعزيز القدرات، بدعم من مؤسسات أمريكية، من بينها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الفلاحة الأمريكية. وتمتد مجالات التعاون إلى التحسين الوراثي للمحاصيل الزراعية، والتكنولوجيات الحيوية، والتدبير المستدام للمياه والتربة، فضلا عن تطوير حلول للتكيف مع التغيرات المناخية.
كما يشكل التبادل العلمي وتكوين الباحثين أحد المكونات الأساسية لهذه الشراكة، من خلال برامج دولية، من بينها برنامجا «فولبرايت» و«بورلوغ»، اللذان أتاحا لـ25 باحثا من المعهد الوطني للبحث الزراعي فرصا لتعزيز قدراتهم العلمية والتقنية. ومن بين هؤلاء، أجرى ستة باحثين خلال السنتين الماضيتين إقامات بحثية في ست جامعات أمريكية، تناولت موضوعات استراتيجية بالنسبة إلى القطاع الفلاحي.
ومن المرتقب أن يساهم تعزيز التعاون مع الرابطة الوطنية لإدارات الفلاحة الأمريكية في توسيع شبكة العلاقات العلمية والمؤسساتية للمعهد الوطني للبحث الزراعي، من خلال تسهيل التواصل مع الإدارات الزراعية في مختلف الولايات الأمريكية والجامعات ومراكز البحث، بما يتيح تبادل التجارب والخبرات وتطوير مشاريع مشتركة.
وتعكس هذه المباحثات توجها نحو توظيف البحث العلمي والابتكار في مواجهة التحديات التي يعرفها القطاع الفلاحي، خصوصا ما يرتبط بندرة المياه وتراجع الموارد الطبيعية وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية. كما تفتح المجال أمام تطوير شراكات قادرة على دعم الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل والمنتجات الحيوانية، وتعزيز استدامة الأنشطة الفلاحية بالمغرب.
ويظل الرهان الأساسي أمام هذه المبادرات هو تحويل فرص التعاون العلمي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال تطوير تقنيات قابلة للتطبيق، وتعزيز نقل المعرفة إلى الفلاحين، وتوسيع الاستفادة من الابتكارات الزراعية، بما يدعم الأمن الغذائي الوطني ويساهم في بناء فلاحة مغربية أكثر إنتاجية ومرونة واستدامة.



