القضاء الدستوري بين منطق الحماية الدستورية ومنطق تزكية اختيارات الدولة
HEURE DU JOURNAL | خالد وجنا
تزكية دستورية تثير أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة
أصدرت المحكمة الدستورية، في الأيام الأخيرة، قرارها المتعلق بالقوانين الجديدة المؤطرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وقد أنهى القرار نقاشاً سياسياً وقانونياً واسعاً رافق المصادقة البرلمانية على هذه النصوص. غير أن مضمونه فتح باباً جديداً للجدل حول دور القضاء الدستوري وحدود تدخله في حماية الحقوق والحريات.
وصادق القاضي الدستوري على جميع المقتضيات المعروضة عليه، بما فيها تلك التي أثارت تخوفات قوية لدى أساتذة القانون الدستوري. واعتبر عدد منهم أن بعض المواد تلامس بشكل واضح حدود “الممكن الدستوري”، خصوصاً المقتضيات التي تقيد الحقوق السياسية في مرحلة الاتهام أو الإدانة غير النهائية.
المساس بقرينة البراءة والحق في المشاركة السياسية
أثار قرار المحكمة انتقادات واسعة بسبب تزكيته لمواد تجرد أشخاصاً من أهليتهم الانتخابية دون صدور حكم قضائي نهائي. ويرى متتبعون أن هذا التوجه يمس مبدأ قرينة البراءة، الذي ينص عليه الدستور بشكل صريح. كما اعتبروا أن القرار يضيّق مجال المشاركة السياسية، ويحوّل الاشتباه القضائي إلى أداة إقصاء سياسي.
ويؤكد مختصون أن الحقوق السياسية لا يجب أن تخضع للتقييد إلا بناءً على أحكام نهائية، حفاظاً على التوازن بين سلطة الدولة وضمانات المواطن.
القضاء الدستوري ومنطق “الانسجام” مع اختيارات الدولة
أعاد هذا القرار إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول موقع المحكمة الدستورية داخل النسق المؤسساتي. ويذهب رأي واسع إلى أن القاضي الدستوري بات يميل إلى تزكية اختيارات الدولة، خاصة في القوانين ذات الطابع السياسي الحساس.
ويستحضر منتقدو هذا التوجه سابقة القانون التنظيمي للإضراب، حين صادقت المحكمة على مقتضيات أثارت رفضاً نقابياً وأكاديمياً واسعاً. ويرون أن السيناريو نفسه يتكرر اليوم مع قوانين انتخابية تعكس، في نظرهم، رغبة وزارة الداخلية في تشديد شروط الترشح والتحكم في العملية الانتخابية.
رهانات مؤجلة على الدفع بعدم دستورية القوانين
تكتسي هذه التطورات أهمية خاصة في ظل انتظار صدور القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين. وكان يُفترض أن يشكل هذا المقتضى آلية قوية لتعزيز حماية الحقوق والحريات. غير أن التخوف السائد يتمثل في أن يظل هذا الحق محدود الأثر، إذا استمر نفس التوجه التأويلي للمحكمة الدستورية.
الصحافة تترقب… والقلق يتصاعد
في السياق نفسه، تتابع الهيئات المهنية للصحافة هذه المستجدات بكثير من القلق. وقد علّقت آخر آمالها في إسقاط مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة على إحالته المحتملة على المحكمة الدستورية. غير أن القرارات الأخيرة لا تشجع على التفاؤل، في ظل الانطباع المتنامي بأن منطق “الاستقرار المؤسساتي” يتقدم على منطق توسيع مجال الحريات.
سؤال الديمقراطية يفرض نفسه من جديد
أعادت قرارات المحكمة الدستورية طرح سؤال جوهري حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية بالمغرب. فالقضية لم تعد تقنية أو قانونية فقط، بل أصبحت مرتبطة بثقة المواطنين في المؤسسات، وبقدرة الدستور على لعب دوره كضامن فعلي للتوازن بين السلطة والحقوق.
وفي انتظار محطات تشريعية قادمة، يظل النقاش مفتوحاً حول ما إذا كان القضاء الدستوري يمارس دوره كحارس للنص الدستوري، أم كفاعل يكرّس اختيارات الدولة في لحظات سياسية حاسمة.



