
مشروع سكني بضواحي أكادير يطرح الكراء التمليكي دون فوائد بنكية ويستهدف الأسر والطلبة
متابعة رشيد الصالحي - Heure du journal
تستعد ضواحي مدينة أكادير لاحتضان مشروع عقاري واسع النطاق، يُرتقب أن يقدم تصوراً جديداً للسكن الاجتماعي والاقتصادي، من خلال الجمع بين توفير الوحدات السكنية للأسر، وإحداث فضاءات مخصصة لإيواء الطلبة، إلى جانب تطوير مرافق خدمية وبنيات مرتبطة بالنقل، في خطوة تروم الاستجابة لعدد من التحديات الاجتماعية والعمرانية التي تواجه المدينة ومحيطها.
ويأتي هذا المشروع، الذي تشرف على تطويره ثلاث شركات عقارية كبرى وفق المعطيات المتداولة بشأنه، في سياق يتسم باستمرار الصعوبات التي تواجه شرائح واسعة من المغاربة في الحصول على سكن ملائم، خاصة الشباب المقبلين على الزواج والأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، الذين يجدون أنفسهم أمام تحديات متزايدة بسبب ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف التمويل البنكي.
ويستمد المشروع أهميته من الرهان على مقاربة متكاملة لا تقتصر على بناء الشقق السكنية، بل تسعى إلى الجمع بين السكن والخدمات الأساسية وشروط الاندماج الحضري، مع طرح صيغة للتمويل تقوم على مبدأ الكراء التمليكي دون فوائد بنكية، وهي الآلية التي يمكن أن تثير اهتمام فئات تبحث عن بدائل للتمويل العقاري التقليدي.
ويقوم نظام الكراء التمليكي، من حيث المبدأ، على تمكين المستفيد من شغل وحدة سكنية مقابل أداء مبالغ دورية وفق عقد محدد، مع إمكانية تملك العقار في نهاية المدة المتفق عليها، بحسب الشروط القانونية والمالية المعتمدة. وفي الصيغة التي يجري الترويج لها بالنسبة إلى المشروع المرتقب بضواحي أكادير، يتمثل الرهان في اعتماد آلية خالية من الفوائد البنكية، بما قد يخفف من أعباء الاقتراض التقليدي على المستفيدين.
وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه يفتح النقاش حول تنويع آليات الولوج إلى السكن بالمغرب، خصوصاً في ظل الصعوبات التي تواجه الأسر الراغبة في اقتناء مسكن عبر القروض العقارية طويلة الأمد. فبالنسبة إلى العديد من الشباب، لا يرتبط العائق فقط بثمن الشقة، وإنما أيضاً بشروط التمويل، والقدرة على توفير الدفعة الأولية، والالتزام بأقساط شهرية تمتد لسنوات طويلة.
ومن شأن اعتماد صيغة واضحة للكراء التمليكي أن يوفر، في حال استيفاء الشروط اللازمة، بديلاً لفئات لا تستطيع تحمل كلفة التمويل التقليدي، شريطة أن تكون العقود محددة بدقة، وأن توضح قيمة الدفعات الشهرية، والمدة الإجمالية، وكيفية احتساب المبالغ المؤداة من ثمن العقار، فضلاً عن شروط انتقال الملكية والالتزامات المترتبة على الطرفين.
وفي هذا السياق، تظل التفاصيل المتعلقة بالنموذج المالي والقانوني المعتمد في المشروع من العناصر الأساسية التي يتعين توضيحها للرأي العام، بما في ذلك كيفية ضمان خلو الصيغة من الفوائد البنكية، والجهة التي ستتولى تدبير العقود، والضمانات المقدمة للمستفيدين. كما تكتسي الشفافية أهمية خاصة في تمكين الأسر من تقييم مدى ملاءمة هذه الآلية لوضعيتها المالية قبل اتخاذ قرار الالتزام بعقد طويل الأمد.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب المالي، إذ يبرز البعد العمراني والاجتماعي باعتباره أحد مكوناته الأساسية. فالتوسع العمراني بضواحي أكادير يفرض تحديات تتعلق بتوفير السكن بالقرب من فرص العمل والدراسة والخدمات، وتفادي ظهور تجمعات سكنية تفتقر إلى التجهيزات الضرورية أو تعاني من ضعف الربط بوسط المدينة والمناطق الاقتصادية المحيطة بها.
ومن هذا المنطلق، فإن إدماج البنيات المرتبطة بالنقل العمومي والخدمات الأساسية ضمن التصور العام للمشروع من شأنه أن يعزز جاذبيته، إذا جرى تنزيله وفق تخطيط حضري يضمن سهولة التنقل والوصول إلى المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية والإدارية والتجارية. فالسكن الملائم لا يُقاس فقط بمساحة الشقة أو ثمنها، بل يرتبط كذلك بجودة المحيط، وتوفر الخدمات، وكلفة التنقل اليومية التي تتحملها الأسر.
ويكتسي تخصيص جزء من المشروع لإيواء الطلبة أهمية إضافية بالنظر إلى الحاجيات المرتبطة بالحياة الجامعية في أكادير ومحيطها. فالبحث عن سكن قريب من المؤسسات الجامعية يشكل تحدياً بالنسبة إلى عدد من الطلبة القادمين من مناطق أخرى، كما يمثل عبئاً مالياً على أسرهم، خاصة عندما تكون تكاليف الكراء والتنقل مرتفعة مقارنة بمواردها.
ومن شأن توفير فضاءات مخصصة لإقامة الطلبة، ضمن تصور عمراني يراعي القرب من المؤسسات التعليمية وشروط السلامة والراحة، أن يساهم في تحسين ظروف الاستقرار والتحصيل الدراسي، شريطة تحديد الطاقة الاستيعابية لهذه الفضاءات، وطبيعة الخدمات التي ستوفرها، وشروط الاستفادة منها.
كما أن إعطاء الأولوية للأسر المتزوجة والأشخاص الذين لا يتوفرون على سكن خاص، وفق معايير واضحة ومعلنة، يمكن أن يعزز البعد الاجتماعي للمشروع، ويساعد على توجيه العرض السكني نحو الفئات التي تواجه صعوبات حقيقية في الولوج إلى الملكية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطاً بوضع شروط استفادة دقيقة، وآليات تضمن تكافؤ الفرص، وتحد من إمكانية تحويل المشروع إلى مجال للمضاربة أو إعادة بيع الحقوق والاستفادة منها خارج الغايات المحددة.
وفي انتظار الكشف عن المعطيات الرسمية المتعلقة بالموقع الدقيق للمشروع، وعدد الوحدات السكنية المزمع إنجازها، والكلفة الإجمالية للاستثمار، والجدول الزمني للأشغال، وأسعار الشقق وشروط الاستفادة، تبقى هذه التفاصيل ضرورية لتقييم الأثر الفعلي للمبادرة على سوق السكن بالمنطقة.
ويُرتقب أن يشكل المشروع، في حال تنزيله وفق الأهداف المعلنة، فرصة لإغناء النقاش حول مستقبل السكن الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب، من خلال اختبار صيغ تمويلية بديلة تجمع بين القدرة على الأداء وإمكانية التملك، مع مراعاة متطلبات التخطيط الحضري والعدالة المجالية.
وبالنسبة إلى مدينة أكادير، فإن نجاح مثل هذه المبادرات لن يرتبط فقط بعدد الشقق التي ستُنجز، بل بمدى قدرتها على توفير سكن قابل للتحمل مالياً، ومندمج في محيطه الحضري، وقريب من الخدمات وفرص العمل والدراسة. كما سيظل وضوح الشروط التعاقدية والضمانات القانونية عاملاً حاسماً في تعزيز ثقة الأسر والمستفيدين المحتملين.
وبين الحاجة المتزايدة إلى السكن والبحث عن حلول تمويلية أكثر ملاءمة، يضع هذا المشروع المرتقب بضواحي أكادير اختباراً عملياً أمام الفاعلين العقاريين، يتمثل في مدى قدرتهم على تحويل الوعود المرتبطة بالسكن الميسر والكراء التمليكي إلى عرض واضح وشفاف يستجيب للحاجيات الفعلية للأسر والطلبة، ويساهم في بناء أحياء متكاملة بدل الاكتفاء بتوسيع النسيج العمراني.



