
الأسرة المغربية أمام تحولات عميقة.. تراجع الزواج وارتفاع الطلاق
تكشف أحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن تحولات ديموغرافية واجتماعية متسارعة تعرفها الأسرة المغربية، في ظل تراجع عدد عقود الزواج، واستمرار تسجيل حالات الطلاق، وانخفاض معدل الخصوبة إلى مستويات تقل عن العتبة اللازمة لتعويض الأجيال، وهي مؤشرات تعيد النقاش حول استقرار الأسرة والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها.
ووفق المعطيات المتعلقة بسنة 2024، بلغ عدد عقود الزواج المسجلة بالمغرب نحو 239 ألفاً و300 عقد، مقابل 249 ألفاً و100 عقد خلال سنة 2023، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 3.9 في المائة. وفي المقابل، بلغ عدد حالات الطلاق حوالي 91 ألفاً و700 حالة، ما يعكس حجم التحولات التي تعرفها العلاقات الزوجية داخل المجتمع المغربي.
ومن بين أبرز المؤشرات التي تضمنتها المعطيات الرسمية، تراجع معدل الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024، بعدما كان في حدود 2.22 طفل سنة 2014 و2.5 طفل سنة 2004. ويضع هذا التطور المغرب دون عتبة تعويض الأجيال المقدرة بنحو 2.1 طفل لكل امرأة، بما يعكس تغيراً في أنماط الإنجاب وتوجهات الأسر المغربية بشأن حجمها.
وتأتي هذه الأرقام في سياق نشر المندوبية السامية للتخطيط نتائج البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025، الذي سلط الضوء على التحولات التي مست بنية الأسرة المغربية، وحجم الأسر، والعلاقات الزوجية، وشبكات التضامن بين أفراد العائلة، فضلاً عن التغيرات التي تطبع المسارات الأسرية والاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالطلاق، أظهرت نتائج البحث أن متوسط مدة الزواج قبل الانفصال يبلغ نحو تسع سنوات على المستوى الوطني، مع تسجيل تفاوت بين الوسطين الحضري والقروي، إذ تنخفض المدة إلى 6.8 سنوات في الوسط القروي، مقابل 9.7 سنوات في الوسط الحضري.
كما كشفت النتائج أن الخلافات المنزلية تأتي في مقدمة الأسباب المصرح بها للطلاق بنسبة 30.9 في المائة، تليها الصعوبات الاقتصادية بنسبة 12 في المائة، ثم النزاعات مع عائلة الزوج بنسبة 11.6 في المائة، والعنف الزوجي بنسبة 8.8 في المائة. وتبرز هذه المؤشرات تعدد العوامل التي قد تؤدي إلى تفكك العلاقة الزوجية، بين الخلافات اليومية والضغوط المادية والتوترات داخل المحيط العائلي.
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً أن 58 في المائة من النساء المطلقات صرحن بأنهن كنّ، في الغالب، المبادرَات بطلب الطلاق، وفق نتائج البحث. ويعكس هذا المعطى اختلاف تجارب الأزواج وتصوراتهم بشأن إنهاء العلاقة الزوجية، دون أن يعني بالضرورة أن جميع حالات الطلاق تخضع للدوافع نفسها أو للظروف ذاتها.
وتكشف الأرقام المرتبطة بالتطليق للشقاق بدورها عن حضور قوي لهذا المسار ضمن قضايا إنهاء العلاقة الزوجية، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى تسجيل نحو 65.5 ألف حالة، بما يمثل 98.6 في المائة من مجموع حالات التطليق المعنية بهذه الإحصاءات.
ولا تقتصر التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية على الزواج والطلاق والإنجاب، بل تشمل أيضاً شكل الأسرة وحجمها وأنماط التضامن بين أفرادها. فقد تراجع متوسط حجم الأسرة المغربية من 4.6 أفراد سنة 2014 إلى 3.9 أفراد سنة 2024، بالتزامن مع ارتفاع نسبة الأسر التي تتولى النساء مسؤولية تدبيرها من 16.2 إلى 19.2 في المائة خلال الفترة نفسها.
وتطرح هذه التحولات تحديات تتعلق بمواكبة الأزواج، وتعزيز الاستقرار الأسري، وتطوير آليات الوساطة والإرشاد قبل الزواج وبعده، إلى جانب معالجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تؤثر على الحياة الزوجية. كما تبرز الحاجة إلى سياسات عمومية تستند إلى المعطيات الميدانية وتستجيب للتحولات التي تعرفها الأسرة المغربية.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول ضرورة الانتقال من الاقتصار على معالجة النزاعات بعد وصولها إلى المحاكم إلى تعزيز الوقاية والمواكبة الأسرية، من خلال تأهيل المقبلين على الزواج، وتطوير خدمات الإرشاد والوساطة، وتحسين الوعي بالمسؤوليات المشتركة داخل الحياة الزوجية.
وتظل الأسرة، وفق المندوبية السامية للتخطيط، مؤسسة محورية في المجتمع المغربي، بالنظر إلى أدوارها في التضامن الاجتماعي والاقتصادي ونقل القيم بين الأجيال. غير أن التحولات الديموغرافية والاجتماعية المتسارعة تجعل فهم أسبابها ومواكبة آثارها ضرورة أساسية لضمان استقرار الأسر والاستجابة لحاجياتها المتجددة.



