
إغلاق مطار الرياض وسط هجمات أنصار الله وتهديدات بالرد على أي تدخل أمريكي
متابعة خالد وجنا - Heure Du Journal
تتواصل تداعيات التصعيد العسكري في شبه الجزيرة العربية، مع استمرار إغلاق مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض، على الأقل إلى غاية السبت 17 أكتوبر الجاري، وسط تقارير عن هجمات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة تنسبها السلطات إلى جماعة أنصار الله اليمنية، وتعليق عدد من شركات الطيران الدولية رحلاتها من المملكة وإليها، في تطورات تثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة المسافرين وأمن المنشآت الحيوية واستقرار المنطقة.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد المواجهات بين جماعة أنصار الله والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، بالتزامن مع تبادل التهديدات واتساع نطاق التداعيات العسكرية والاقتصادية، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات متزايدة لحماية مطاراتها ومنشآتها الطاقية وممرات تصدير النفط.
وأعلنت جماعة أنصار الله، مساء الاثنين، استهداف مطار الرياض بصاروخ باليستي، في حين أفاد التحالف بقيادة السعودية باعتراض صاروخ أُطلق باتجاه العاصمة وتدميره. وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة هجمات شهدتها المملكة خلال الأسبوع الماضي، وأسفرت، وفق المعطيات الواردة في تقارير إعلامية دولية، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط استمرار الغموض بشأن تفاصيل بعض الضربات وحصيلة الأضرار الناجمة عنها.
وفي واحدة من أكثر الهجمات دموية، أسفر هجوم وقع السبت عن مقتل 13 شخصاً، وفق المعطيات المنقولة عن وكالة فرانس برس، التي وصفت الحادث بأنه الأكثر دموية على الأراضي السعودية منذ أكثر من عقد. كما تحدثت تقارير إعلامية عن سقوط قتلى وإصابة مئات الأشخاص خلال الهجمات الأخيرة، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن فعالية منظومات الدفاع الجوي وقدرتها على التعامل مع هجمات متزامنة ومتعددة الوسائط.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين أن السلطات السعودية فتحت تحقيقاً لتحديد أسباب إخفاق الدفاعات الجوية في اعتراض بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها جماعة أنصار الله، والتي تسببت في هجمات استهدفت مطار الرياض.
وبحسب المعطيات الأولية التي نقلتها الوكالة عن المسؤولين، فإن الجماعة استخدمت طائرات مسيّرة في مرحلة أولى، قبل إطلاق صواريخ كروز وصواريخ باليستية، وهو ما قد يكون ساهم في تعقيد عملية الرصد والاعتراض. كما يهدف التحقيق إلى معرفة أسباب عدم توفير أنظمة الدفاع الجوي إنذاراً مبكراً بالهجمات، وتحديد مكامن الخلل المحتملة في منظومة الاستجابة الأمنية.
ويكتسي هذا التحقيق أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الاستراتيجي الذي يؤديه مطار الملك خالد الدولي، باعتباره أحد أهم مراكز النقل الجوي في المملكة، فضلاً عن تأثير أي اضطراب طويل الأمد في نشاطه على حركة المسافرين والرحلات الدولية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بقطاع الطيران.
وعلى مستوى النقل الجوي، بدأت تداعيات التصعيد تظهر بوضوح من خلال قرارات عدد من شركات الطيران الدولية تعليق رحلاتها أو تعديل برامجها التشغيلية. فقد أعلنت شركة الاتحاد للطيران الإماراتية إلغاء رحلاتها بين أبوظبي والرياض إلى غاية 19 أكتوبر الجاري، إلى جانب إلغاء رحلات أخرى بين أبوظبي وكل من جدة والدمام، بسبب ما وصفته بالاضطرابات الإقليمية.
كما أعلنت الخطوط الجوية القطرية تعليق رحلاتها مؤقتاً من الرياض والدمام وإليهما، في حين أفادت شركة طيران الخليج البحرينية بإلغاء رحلاتها إلى الرياض حتى السبت. ومن جهتها، قررت شركة دلتا الأمريكية تأجيل إطلاق خط جوي مباشر بين أتلانتا والرياض، كان مقرراً في 23 أكتوبر الجاري.
وتعكس هذه القرارات حجم المخاوف التي باتت تحيط بسلامة الملاحة الجوية في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات العسكرية وعدم وضوح المدى الزمني اللازم لعودة حركة الطيران إلى وضعها الطبيعي. كما تفرض هذه التطورات تحديات إضافية على المسافرين وشركات النقل الجوي، بسبب احتمال تغيير مواعيد الرحلات أو إلغائها أو إعادة توجيهها.
وفي إطار الإجراءات الاحترازية، طلبت السفارة الأمريكية من موظفي الحكومة الأمريكية الحصول على موافقتها قبل استخدام أي مطار داخل السعودية، كما دعت المواطنين الأمريكيين إلى توخي أقصى درجات الحذر عند السفر عبر مطارات المملكة. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الهجمات لتشمل منشآت حيوية أخرى، بعدما تحدثت تقارير عن استهداف مطار الدمام ومنشأتين للطاقة تابعتين لشركة أرامكو في شرق البلاد.
ولم تقتصر التداعيات على المطارات والمنشآت الاقتصادية، إذ شهدت الرياض مساء الاثنين حالة من الاستنفار الأمني، بعدما تلقى السكان تنبيهاً عبر الهواتف المحمولة يحذر من تهديد جوي ويدعو إلى الاحتماء في مكان آمن، بالتزامن مع سماع دوي انفجارات في العاصمة.
وأثرت هذه التطورات حتى على الأنشطة الرياضية، بعدما تسبب التنبيه الأمني في تأخير انطلاق مباراة بين نادي النصر السعودي ونادي نفتشي فرغانة الأوزبكي لمدة ساعة، وفق ما أوردته وكالة فرانس برس. ويبرز هذا الحادث كيف باتت المخاطر الأمنية تنعكس على الحياة اليومية في العاصمة السعودية، وتتجاوز تأثيراتها المجال العسكري لتطال الأنشطة الرياضية والتجمعات العامة وحركة السكان.
وفي ظل هذه المستجدات، تتجه الأنظار أيضاً إلى مدى تأثير الوضع الأمني على الاستحقاقات الرياضية الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس آسيا لكرة القدم 2027، التي تستضيفها السعودية خلال شهري يناير وفبراير. وأكد الاتحاد الأسترالي لكرة القدم أنه يتابع التطورات عن كثب، مشدداً على أن سلامة اللاعبين والأطقم الفنية والمشجعين تمثل أولوية قصوى، وأن فريقه الأمني يواصل تقييم المخاطر والتنسيق مع الاتحاد الآسيوي لكرة القدم بشأن الاستعدادات للبطولة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تزداد المخاوف من انعكاسات التصعيد العسكري على الاقتصاد السعودي، الذي يواجه بالفعل ضغوطاً مرتبطة باضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي هذا الإطار، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3 في المائة خلال العام الجاري، وفق ما ورد في أحدث تقرير له عن آفاق الاقتصاد العالمي، مع الإشارة إلى أن التقديرات أُعدت قبل الهجوم الذي وقع السبت على مطار الرياض.
كما خفض الصندوق توقعاته لاقتصاد المنطقة، مرجحاً انكماشه بنسبة 0.3 في المائة خلال العام الجاري، بعدما كانت تقديراته السابقة تشير إلى نمو بنسبة 1.9 في المائة. وعزا ذلك إلى استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول مما كان متوقعاً، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر البحري في حركة صادرات النفط والغاز والتجارة الدولية.
ورغم هذه الضغوط، أشار التقرير إلى أن السعودية تتمتع ببعض عوامل الحماية مقارنة بدول أخرى في المنطقة، بفضل تنوع مسارات تصدير النفط، خصوصاً عبر خط أنابيب الشرق والغرب الذي ينقل الخام إلى ساحل البحر الأحمر، بما يتيح تجاوز مضيق هرمز. غير أن هذا البديل لا يخلو من المخاطر، في ظل التهديدات التي تطال حركة الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً عن تقارير تحدثت عن توقف مؤقت لخط الأنابيب في سبتمبر الماضي عقب ضربات نُسبت إلى جماعات عراقية مدعومة من إيران.
وفي موازاة التطورات الميدانية، رفعت جماعة أنصار الله من حدة خطابها تجاه الولايات المتحدة، محذرة من رد عسكري إذا قررت واشنطن التدخل في الحرب. وقال عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد البخيتي، في مقابلة مع وكالة فرانس برس، إن أي انخراط أمريكي في العمليات العسكرية ضد الجماعة سيقابل برد يستهدف الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.
كما حذر البخيتي العاملين في المنشآت النفطية والمطارات السعودية من الاقتراب منها، معتبراً أنها أصبحت أهدافاً مشروعة، وفق تعبيره. وتزيد هذه التصريحات من مخاوف اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا انتقلت التهديدات إلى مرحلة استهداف مباشر للمصالح الأمريكية أو منشآت الطاقة والنقل في دول المنطقة.
في المقابل، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوم السبت بأنه غير مقبول، وأعلن أنه سيدرس إمكانية مشاركة الولايات المتحدة في ضربات سعودية ضد جماعة أنصار الله، مشيراً إلى أنه سيتحدث إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. كما وجه ترامب، الاثنين، انتقادات للجماعة، في تصريحات تعكس احتمال دخول واشنطن على خط المواجهة بصورة أكثر مباشرة.
ومن جانبه، اعتبر وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال مؤتمر للطاقة، أن التطورات الأخيرة وضعت البنية التحتية للمملكة ومؤسساتها وقدرتها على الصمود أمام اختبار صعب، مشدداً على أن خطورة الأحداث تستدعي رداً يتناسب مع حجم التحديات.
أما في اليمن، فتتواصل المعارك والغارات الجوية بين القوات الحكومية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية وجماعة أنصار الله، وسط تقارير متضاربة بشأن حجم الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالمناطق السكنية والمنشآت المدنية.
وأفادت تقارير إعلامية يمنية بأن القوات الحكومية استهدفت مواقع للجماعة في محافظتي مأرب والجوف، الاثنين، فيما تحدثت مصادر عن تقدم ألوية العمالقة في محافظة لحج عقب اشتباكات مع مقاتلي الجماعة. كما أشارت تقارير أخرى إلى استمرار المواجهات في جبهة الضباب بمحافظة تعز، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع خاضعة لسيطرة الجماعة في المناطق الجبلية غرب المدينة.
في المقابل، أعلنت قناة المسيرة التابعة لجماعة أنصار الله أن الطيران السعودي شن 119 غارة على ثماني محافظات يمنية، بينها صنعاء وتعز وصعدة، مدعية سقوط قتلى وجرحى مدنيين، معظمهم من النساء والأطفال. كما تحدثت عن غارات استهدفت مناطق سكنية ومنشآت مدنية في محافظة تعز، من بينها مدرسة للبنات ومركز صحي بمنطقة القحاف. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من مجمل هذه الحصائل والتفاصيل الواردة في التقارير المتداولة.
وكانت وكالة فرانس برس قد نقلت عن مصادر عسكرية من الطرفين مقتل أكثر من 60 شخصاً خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة في المعارك الدائرة حول تعز، في مؤشر على شدة المواجهات واتساع كلفتها البشرية.
وأمام تزايد المخاطر التي تهدد السكان والمنشآت المدنية، دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى خفض عاجل للتصعيد، محذرة من أن استمرار القتال قد تكون له عواقب كارثية على ملايين الأشخاص في المنطقة. وأكدت رئيسة اللجنة، ميريانا سبولياريتش، أن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً جراء العمليات العسكرية، مشيرة إلى أن الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في السعودية واليمن تعكس خطورة استمرار المواجهة.
وشددت اللجنة على ضرورة حماية المدنيين والأعيان المدنية، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية في جميع الأوقات، محذرة من أن استهداف المطارات والموانئ والمنشآت الأساسية يهدد المجتمعات التي تعتمد عليها في النقل والتجارة والخدمات الحيوية.
وبين استمرار إغلاق مطار الرياض وتعليق الرحلات الدولية وتصاعد التهديدات المتبادلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها المخاطر الأمنية مع التداعيات الاقتصادية والإنسانية. ويبقى مستقبل حركة الطيران في السعودية مرتبطاً بتطور الوضع الميداني ونتائج التحقيقات الجارية بشأن الهجمات الأخيرة، فيما تظل احتمالات اتساع المواجهة عاملاً رئيسياً في تحديد مسار الأزمة خلال الأيام المقبلة.



