
في تطور دبلوماسي وُصف بأنه من بين الأكثر حساسية في السنوات الأخيرة، كشف مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية عن النص الكامل لمذكرة تفاهم من 14 بنداً بين الولايات المتحدة وإيران، يُرتقب توقيعها رسمياً في سويسرا خلال اليومين المقبلين، في خطوة قد تمثل منعطفاً حاسماً في مسار العلاقات بين الطرفين وفي خريطة التوترات الإقليمية الممتدة من الخليج العربي إلى لبنان.
وبحسب ما ورد في الإحاطة الصحافية، فإن المذكرة تنص على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية بين الجانبين وحلفائهما، بما يشمل مختلف الجبهات، مع التزام متبادل بعدم استخدام القوة أو التهديد بها مستقبلاً، وضمان احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، مع إدراج لبنان ضمن نطاق الترتيبات الأمنية الجديدة، في إشارة تعكس اتساع رقعة الاتفاق لتشمل ملفات إقليمية شديدة التعقيد.
وتتضمن المذكرة أيضاً إطلاق مسار تفاوضي مكثف يمتد لمدة 60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي، مع إمكانية التمديد باتفاق مشترك، وهو ما يجعل الفترة المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين، خصوصاً في ظل استمرار القضايا العالقة المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وملف العقوبات الاقتصادية.
وفي البعد الاقتصادي، تنص الوثيقة على خطوات تدريجية لرفع القيود البحرية وإزالة ما وصفته بـ”الحصار الأميركي”، مع إعادة انسيابية الملاحة في المنطقة، بما في ذلك المرور عبر الخليج العربي وبحر عُمان ومضيق هرمز، إلى جانب ترتيبات تقنية وأمنية مرتبطة بعمليات إزالة الألغام وضمان سلامة الملاحة التجارية.
كما تشير المذكرة إلى التزام واشنطن بالشروع في خطة إعادة إعمار وتنمية اقتصادية لإيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، بالتعاون مع شركاء إقليميين، وهو بند يُعد من أكثر النقاط إثارة للجدل بالنظر إلى حجمه وانعكاساته الجيوسياسية المحتملة.
وفي سياق متصل، تتعهد الولايات المتحدة برفع تدريجي وشامل للعقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك العقوبات الأحادية والدولية، إلى جانب إصدار تراخيص استثنائية تتيح لإيران تصدير النفط والمنتجات النفطية بحرية خلال فترة التفاوض، فضلاً عن الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة.
أما في الملف النووي، فتؤكد المذكرة التزام إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مع فتح الباب أمام ترتيبات جديدة تخص مستويات التخصيب وإدارة المواد النووية تحت إشراف دولي، في إطار تفاوضي يهدف إلى الوصول إلى صيغة نهائية خلال فترة المفاوضات المحددة.
وتنص الوثيقة كذلك على تثبيت الوضع القائم إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، بحيث تمتنع الولايات المتحدة عن فرض عقوبات جديدة أو تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، مقابل التزام إيراني بعدم تغيير طبيعة برنامجها النووي خلال الفترة ذاتها.
ومن بين البنود اللافتة أيضاً، تخصيص آلية لتنفيذ ومراقبة الاتفاق، وإدماج الأمم المتحدة عبر قرار ملزم في مجلس الأمن لاعتماد الاتفاق النهائي، ما يمنح المخرجات المرتقبة بعداً قانونياً دولياً واسع النطاق.
ويرى مراقبون أن هذه المذكرة، إذا ما دخلت حيز التنفيذ، قد تعيد رسم ملامح التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل ارتباطها المباشر بملفات الطاقة والأمن البحري والبرنامج النووي، غير أن هشاشة التفاهمات المؤقتة وإمكانية الانسحاب قبل التوصل إلى اتفاق نهائي يظلان عاملين حاسمين في تحديد مصير هذا المسار الدبلوماسي المعقد.
وبين رهانات التهدئة ومخاطر الانفجار، تبقى الأنظار موجهة إلى سويسرا، حيث يُنتظر أن يُكتب فصل جديد في واحد من أكثر الملفات الدولية حساسية وتشابكاً خلال العقد الأخير.



